كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

سعادة الفقراء والمساكين في بناء الجوامع والحديث عن عذاب القبر..

المصدر
سعادة الفقراء والمساكين في بناء الجوامع والحديث عن عذاب القبر.. من أكثر الكلمات التي أفشاها الليبراليون خصوصًا والعالمانيون في العامة قولهم (إطعام جائع خير من بناء جامع) وسخريتهم من الكلام عن عذاب القبر والوعيد ككل. وهم بذلك يريدون أن يوصلوا فكرة للعامة وهي أن الخطاب الشرعي خطاب منعزل تمامًا عن الواقع وأنه يجلب الضيق للناس بتحديثهم دائمًا عن العذاب والأمور المخيفة. قال تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعا • إذا مسه الشر جزوعا • وإذا مسه الخير منوعا • إلا المصلين • الذين هم على صلاتهم دائمون • والذين في أموالهم حق معلوم • للسائل والمحروم • والذين يصدقون بيوم الدين} [المعارج] تأمل قوله {وإذا مسه الخير منوعا • إلا المصلين} يعني أن الأصل في الإنسان أنه إذا جاءه المال يمنع الفقراء حقهم إلا إن كان من المصلين الذين دائمًا ما يسمعون آيات الله تتلى عليهم في حثهم على الزكاة والصدقات ويستحضرون الآخرة وأنهم في الحقيقة يتصدقون. والصلاة في القرآن مقرونة بالزكاة، وهذا الصيام في آخره زكاة الفطر وفيها إغناء للفقراء في مطعمهم وذلك أهم الأمور. وأكثر ما يؤرق الناس اليوم الهشاشة النفسية وفشو الاكتئاب والحزن الشديد لحصول بعض الملمات أو عدم تحقق الأماني. وأكثر ما يؤثر بهم ويحرك مشاعرهم إذا رأوا فقيرًا أو مسكينًا يساعده إنسان ويخرجه من ضائقته، حتى صارت مادة معروفة عند المشاهير أن يقوموا بالأعمال الخيرية. وفي الآيات يبين اتصال الأمرين بالصلاة والإيمان باليوم الآخر، وهذا ما لا يتفطن له كثيرون، وحقًّا كثير من الناس يتعزون عن المصائب ويواسون الفقراء بأموالهم ويعللون ذلك بإيمانهم بالله واليوم الآخر، وهذا أمر لا تجده في غير الإيمان الحق. وأما عذاب القبر فمعه نعيم القبر وله أسباب، فقد ذُكِر في السنة المشي بالنميمة بين الناس وعدم الاستنزاه من البول، وفي الآثار ترك نصرة المظلوم والصلاة بغير طهور. جاء في رياض النفوس في ترجمة أبي عمرو هاشم بن مسرور صاحب الفرن: "وكان رحمه الله تعالى إذا حضر جنازة يجلس على شفير القبر فإذا نظر إلى اللحد قال: ما أحوج هذا القبر إلى فرش فينصرف فيتصدّق بأحسن ثيابه وإذا نظر إلى التراب وهو يهال على الميت قال: ما أحوج هذا (القبر) إلى ضياء ونور، فينصرف فيتصدّق بالزيت على الأرامل والمساكين". فهذا حمله إيمانه بعذاب القبر ونعيمه على إسعاد الفقراء والمساكين، وكم من شخص مثله، والوعيد لا يأتي بدون وعدٍ وذكرٍ للثواب. قال تعالى: { إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا • إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا • فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا} [اﻹنسان] فتأمل ذكرهم للوعيد واليوم المخيف وهم يطعمون الفقراء والمساكين والأسرى. غير أن القوم يريدون دينًا فيه ثواب وليس فيه عقوبة، وهذا شيء حالم وليس واقعيًّا ولا يؤثر على الناس الأثر المطلوب.