تأمل في كلام الإمام أحمد في مسألة نقض الوضوء بأكل لحوم الإبل.
تأمل في كلام الإمام أحمد في مسألة نقض الوضوء بأكل لحوم الإبل.
الكثير من الشباب الذين تأثروا بالأطروحة المذهبية المتأخرة يرون أن قاعدة (لا إنكار في مسائل الخلاف) قاعدة مسلمة خصوصاً في الخلافيات التي بين المذاهب الأربعة المشهورة.
ويرون أن الإنكار هو طريق الظاهرية، أو ضيقي العطن، أو من لا يعرفون مآخذ العلماء، فالقول ما دام قد قال به عالم فلا بد أن يكون له وجاهة تمنع من الإنكار عليه.
وربما استأنس بعضهم بكتاب (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) لابن تيمية علماً هذا الكتاب مصنف لنقض هذه الفكرة أصلاً، فهو مبني على أصلين:
الأول: أن العالم الجليل قد يقول بالخطأ البين في المسائل الدقيقة لعدم بلوغ الدليل إليه، أو بلوغه إياه من وجه لا يصح، أو أي اعتبار آخر.
الثاني: أن من بلغه الدليل من وجه صحيح ولم يقم عنده معارض مكافيء لا يجوز له مخالفته تحججاً بأن العالم فلاناً قد خالفه، فالعالم ما بلغه الذي بلغك.
أطروحة (لا إنكار في مسائل الخلاف) يستقبلها كثير من العامة بصدر رحب لا من جهة فهم تأسيسها التراثي ولكن لشبهها بفكرة (التعددية) السائدة في زماننا تأثراً بالحداثة وما بعد الحداثة، وهذا أمر ظريف حيث تندمج أطروحة يفترض أنها (تقليدية) مع أخرى (حداثية) غير أن الحداثيين لا يعترفون بحصر المجتهدين بعدد بل ولا بشروط المجتهد، ولا يعترفون بالإجماع، ومن تأثر بهم من العوام لا يفهم كيف ينضبط الإجماع أصالة.
من درس الفقه وتاريخه يعلم أن المسائل العلمية تتفاوت ظهوراً وخفاءً، وأن بعض الأقوال مع جلالة قائليها ضعفها ظاهر، ولولا هذا ما انقرضت اجتهادات قال بها أجلة، كالقول بحل المتعة والصرف.
وأن الشافعي -على سبيل المثال- أكثر من مناظرة الحنفية وإلزامهم بالسنن، حتى أن كثيراً من مخالفات الشيباني لأبي حنيفة يبدو أن الفضل فيها لمالك والشافعي.
والأطروحة السائدة في الأزمنة المتأخرة والتي تكثر في المعاهد الأشعرية فيها تناقضات ذاتية، كاعترافهم بالحنابلة مذهباً فقهياً ورفضهم لكلام الحنابلة في الأشعرية، مع أن نقلهم في الأخير عن إمامهم أقوى من نقلهم في الفقهيات، وقولهم بالاجتهاد في أصول الفقه ولزوم التقليد في الفروع مع أن الفروع تبنى على الأصول، ومزجهم بين مدرسة أهل الحديث وأهل الرأي مع نزاعات عميقة تظهر في الكتب الأصولية وكتب الخلاف.
وأيضاً إذا نظرت في فروع فقهية معينة ترى أن قاعدة (لا إنكار في مسائل الخلاف) غير حاضرة البتة.
=