وإسقاط القرائن ينتهي إلى مشابهة مقالة عاذري الملاحدة من بعض الوجوه (إذ يتم إسقاط
وإسقاط القرائن ينتهي إلى مشابهة مقالة عاذري الملاحدة من بعض الوجوه (إذ يتم إسقاط وجود عناد وكبر وتقصير في طلب الحق في مسألةٍ أدلتها متواترة!) ولكن يُجعل ذلك في خلافيات أهل الملة العقدية، ومعلوم أن هذه الخلافيات، وإن فارقت خلافيات أهل الملل من بعض الوجوه، إلا أنها تلتقي معها بوجوه أخرى، فمجرد الانتساب للملة لا يمنع من التكفير، فقد كفَّر الناس الإسماعيلية وغلاة الإمامية مع انتسابهم للملة، وأطلق السلف تكفير الجهمية بفروعها، وهناك خلافيات ما وصلت للتكفير في غالبها كالخلاف في مسائل الإيمان.
ولو فرضنا أن هناك فئة تتوسط، فلا تكفر أعيان المخالفين في هذه المسألة إلا بعد شروط وقيود يجتهدون في وضعها ولكنهم يقرون بأن القول كفر أكبر، فالإنصاف أن تُنكِر هذه الفئةُ على من يمتحن الناس بتعديل الواقع في هذه المقالة الكفرية أو يقول لا فرق بينه وبين السني أو من يدعو لتمييع الخلاف، أكثر من إنكارهم على من يُكفِّر أعيانًا لأنه في النهاية سائر مع إطلاقات سلفية.
والإنصاف أيضًا أن تتوسط حقًّا وتنتقد الغلط والغلو في كلا الطرفين، لا أن تُركِّز على الفئة التي تخالف القيم الحداثية دون غيرها، ولا بد من السماع وتحرير المذاهب لا أن نكتفي بصورة نمطية واقتطاعات من هنا وهناك، فهذا بعيد عن الإنصاف.
وهل من الإنصاف أو مما تقرُّ به أعين أهل السنة أن قولًا وَصَفَه ابن تيمية بأنه قولُ أكثر أهل الحديث وطفحت به الكتب ووصفه ابن الجوزي بأنه اتفاق ووصفه ابن عبد البر بأنه قول كل من يقول الإيمان قول وعمل ووصفه ابن أبي داود بأنه إجماعة العلماء، نَصِفَ هذا القول بأنه غلو وتطرف وخارجية؟
ماذا يريد الطاعنون في السنة أحسن من هذا ليطعنوا في أئمة أهل الحديث الذين نقَّحوا لنا السنن، نعم يجوز على الواحد منهم أو الاثنان التوهم، أما التتابع والتواتر كما وصفه المعلمي فهذا دفعه بعيد.
ما الفرق بين وصف الفقهاء بأنهم أهانوا المرأة مثلًا أو كرَّسوا للتطرف، أو وصف أحكامهم على بعض المخالفين (أحكام تتابعوا عليها بشكل كبير) بأنها تطرف وغلو وخارجية؟
حين نَصِف الحنابلة وأهل الحديث الذين حكموا على الأشاعرة بأحكام شديدة بهذا الوصف أو نفتح الباب لذلك، ونَصِف متقدمي أهل الحديث في كلامهم في أهل الرأي بهذا الوصف، ونَصِف ابن تيمية بالتهويل في تصوير الخلاف في مسألة العلو، ونَصِف أئمة الدعوة النجدية بالغلو، فمَن بقي لأهل السنة؟
وهناك فرق بين أن تخالف حكمًا ما وبين أن تشنِّع على القائل به بمجرد الدفع بالصدر، فعلى سبيل المثال: من لا يُكفِّر تارك الصلاة لا يطعن على من يُكفِّر بتركها (فما بالك وأهل الحديث على مر الأزمان يقولون بتكفير منكر العلو).
يقول الشيخ صالح آل الشيخ في شرح الطحاوية: "ومِن أهل العلم (أهل السنة والجماعة) من خص مسألة علو الرحمن -عز وجل- لأجل ظهور دليلها (علو الذات للرب عز وجل) لأجل ظهور دليلها قوة برهانها وعدم وجود مجال للتأويل فيها خصها بأن من أنكر علو الذات للرب -عز وجل- فإنه يكفر".
ثم ذكر قول من يعذر بعض أفرادهم بالجهل مع تجويز قيام الحجة، تأمَّل قوله (من أهل السنة والجماعة)، وكذا قال مثله الشيخ الراجحي، واليوم يعتبرون تسمية مَن هذا حاله جهميًّا (أي منكر العلو) جرحًا في الإنسان ودلالةً على غلوه، ولا يدرون أنهم بهذه الطريقة يرمون الأولين والآخرين من أهل الحديث بهذا النبز، وذلك خطير جدًّا.
وقد تكلم ابن تيمية على أصناف الواقعين في بدع النفاة (الجهمية) ممن اشتغلوا بالحديث أو الفقه، وحلَّل سبب وقوعهم في هذا مع اشتغالهم بالحديث.
=