محمول على التقية (حينما أسقطت شذوذات علماء أهل السنة عقيدة العصمة عند الإمامية).
محمول على التقية (حينما أسقطت شذوذات علماء أهل السنة عقيدة العصمة عند الإمامية).
هذا الكلام يحتاج شيئاً من التركيز، وأرجو أن يكون واضحاً على أننا نجد مشكلة كبيرة في الاستسلام للعاطفة في مثل هذه الحوارات.
يعتقد الشيعة الإمامية عصمة الأئمة الاثني عشر، وأنه لا يقع عليهم حتى السهو والزلل، ومن هذا الباب إذا جاءت روايات متعارضة عن المعصوم عندهم (وغالب رواياتهم الفقهية يعزونها لجعفر بن محمد الصادق).
فإنهم يحملون الرواية الموافقة لمذهب أهل السنة على التقية، ويحملون الأخرى على أنها هي الصواب، ورووا في ذلك رواية عن الصادق نفسه ترشدهم إلى هذا السلوك.
أول من توسع بموضوع الحمل على التقية جداً بحسب بعض الباحثين هو شيخ الطائفة الطوسي، وكان هذا الاستخدام قبله قليلاً جداً.
والأخباريون من الشيعة مع بغضهم للطوسي يتابعونه على هذا المسلك لأنهم لا يضعفون روايات الكتب المعتبرة (أي رواية منها) وبالتالي يحتاجون إلى هذا المسلك، بدلاً من مسلك الترجيح بين الروايات صحة وضعفاً.
فكثيراً ما تتعارض الصحيحة أيضاً، وعليه فهذا مسلك تسالَم وتوافَق عليه الإمامية بكلِّ طوائفهم، فما محل الإشكال في هذا المسلك؟ ولماذا أزعم أنه يهدم بنيان الشيعة من الأساس؟
الجواب:
كل دارس للفقه يعلم أن هناك مسائل إجماعية ومسائل خلافية، والمسائل الخلافية منها ما تجد فيها الخلاف فاشياً بين الفقهاء، ومنها ما تجد فيه المخالف منفرداً لوحده، ولولاه لكان الأمر إجماعاً.
وعليه لماذا لَم يَخَف الحسن وابن سيرين ومالك وأبو حنيفة والشافعي وغيرهم كثير من الانفراد عن الجمهور بقول معين، وفقط جعفر بن محمد هو الذي يخاف حتى تُروى عنه عشرات الروايات التي تُحمل على التقية.
حتى أن أبا ثور في زمن الإمام أحمد قال بحل نكاح المجوسيات وحل ذبائحهم ودعا عليه أحمد، ولم يقع أنه أوذي، وكذلك داود الأصبهاني مؤسس مذهب الظاهرية أنكر القياس من أساسه، هذا أولا.
وثانياً: الروايات عن جعفر بن محمد التي تثير العامة (وهو منها براء بل هي افتراء القوم ولكنني أتنزل معهم) بالمئات حتى رووا عنه الكثير من الأخبار في تحريف القرآن ولعن الصحابة، فمن تكلم بكل هذا ما الذي أبقاه للتقية؟
وثالثاً: الذين يروون أخباره هم من أصحابه أصلاً، وقد رووا عنه الروايات التي لا تقية فيها، فلماذا يكلمهم بالتقية؟ فإن قيل: أنه يشير إليهم إشارات حتى يعلموا بسبب وجود رقباء عليهم، فيقال: يلزم من هذا أن تكون معرفة صوابية قول المعصوم متوقفة على كون المستمع له فقيهاً بأقوال العامة حتى يميِّز ما يوافقهم ويخالفهم، وكذلك الرقباء المزعومين، وسبحان الله الولاة ما الذي يهمهم من موافقة المذهب الفلاني أو مخالفته إنما يهمهم ألَّا يطالِب المرء بمُلكهم.
ومن الطرائف أن عندهم روايات تقول بأن اختلاف الشيعة كان مِن قِبَل المعصوم، إذ يتعمَّد أن يفتيهم بأمور مختلفة لأنهم لو توافقوا لأُخِذ برقابهم!
وأين الجواسيس المعَيَّنين على جعفر بن محمد يحصرون كل من يدخل عليه ثم يأخذون برقابهم؟!
ولِفهم عمق إشكالية الحمل على التقية اقرأ معي هذا النص:
جاء في كتاب مفتاح الكرامة لمحمد جواد العاملي (12/172) وهو يتكلم عن الغناء : "وأما حكمه فلا خلاف كما في "مجمع البرهان" في تحريمه وتحريم الاجرة عليه وتعلمه وتعليمه واستماعه، سواء كان ذلك في قرآن أو دعاء أو شعر أو غيرها، حتى قام المحدث الكاشاني والفاضل الخراساني فنسجا على منوال الغزالي وأمثاله من علماء العامة وخصا الحرام منه بما اشتمل على محرم من خارج مثل اللعب بآلات اللهو ودخول الرجال والكلام في الباطل، واستندا في ذلك إلى أخبار تقرب من اثني عشر خبراً، وهي على تقدير تسليم وضوح دلالتها مخالفة للكتاب المجيد موافقة للعامة محمولة على التقية، مع أنها معارضة بخمسة وعشرين خبراً بين صريحة الدلالة أو ظاهرة على تحريم الغناء مطلقا من غير تقييد".
أقول: عامة فقهاء أهل السنة على تحريم الغناء، فكيف تُحمل أخبار إباحة الغناء على التقية؟! ولكن التناقض هنا مزعج ولا يريدون تغليط الرواة، ولا دعوى اختلاف كلام المعصوم لأنه هذا يُخرجه من حيز العصمة.
وكيف يكون المعصوم حجة على أهل الأرض وهو يفتي أصحابه بما يوافق أهل السنة، ويضلهم ويفتنهم.
ثم الفتاوى التي على غير التقية ألن يعمل بها الشيعة وسيراها الناس، فما بالهم ما قتلهم أحد، فهل يخاف هو من الفتوى ولا يخافون هم من العمل؟
بل ورد عندهم أن الباقر أمر أبان بن تغلب أن يجلس في مسجد المدينة ويفتي الناس، وزمن الصادق أهون من زمن الباقر.
وقد اختلف الشيعة اختلافاً كثيراً في موارد الحمل على التقية بعد اتفاقهم على وجود الأمر بالجملة، وهذا الاختلاف هو من ضمن أصول فقههم مع زعمهم الاستغناء بالمعصومين عن مثل أحوال أهل السنة، وأن أهل السنة احتاجوا الأصول بسبب عدم وجود معصومين، ثم انظر إليهم وقد وقعوا في الأمر نفسه وظهر فيهم من الأخباريين من ينكر الأصول بلسانه وعنده أصول خاصة به.