من المشهور جدا عند كثير من المشتغلين في الجدل الإلحادي حجج جون لينكس في نقض النظ
من المشهور جدا عند كثير من المشتغلين في الجدل الإلحادي حجج جون لينكس في نقض النظرة العلموية المادية التي تقول بأن المادة قائمة بنفسها وأن فهمنا للقوانين يغني عن الإيمان بالخالق ويلخص كلام جون لينكس ( وقد قاله غيره كثيرون ) بأن العلم التجريبي يجيب على سؤال مختلف عن السؤال الذين يجيب عنه الدين فإن معرفتك لكيفية عمل الشيء لا تغني عن معرفتك بمن صنعه فعلمنا بكيفية عمل المحرك لا يعني أنه لا صانع له أو أن سؤال الصانع والحكمة من الوجود قد ألغيا وهناك مثال الكعكة الشهير الذي يطرحه فيقول اذا كانت هناك كعكة فإن الفيزيائي سينظر لها من جهة والكيميائي من أخرى ولكن الوحيد الذي يعلم لماذا صنعت تفصيلاً صانعها وسيقف الفيلسوف المتدبر على بعض صفات الصانع من المصنوع
وأن القوانين لا تخلق شيئاً وإنما تصف شيئاً موجوداً أصالة غير أن الذي لا يعرفه كثيرون أن هذا النفس العلموي كان له حضوره في الزمن القديم وقد رد عليه العلماء ومن أحسن من رد عليهم ابن القيم في مفتاح دار السعادة وستلاحظ في رده نقاط تقاطع مع المنهجية السائدة في الرد مع زيادات نافعة جداً
قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة : ولقد جنى على ما جاءت به الرسلُ طائفتان ، هلَك بسببهما من شاء الله، ونجا مِن شركهما من سبقت له العنايةُ من الله:
* إحدى الطائفتين وقفَت مع ما شاهَدَته وعَلِمَته من أمور هذه الأسباب والمسبَّبات، وأحالت الأمرَ عليها، وظنَّت أنه ليس بعدها شيء، فكفَرت بما جاءت به الرسل وجحَدت المبدأ والمعاد والتوحيد والنبوَّات، وغرَّها ما انتهى إليه علومُها ووقفَت عنده أقدامُها من العلم بظاهرٍ من المخلوقات وأحوالها.
وجاء ناسٌ جُهَّالٌ رأوهم قد أصابوا في بعضها أو كثيرٍ منها، فقالوا: كلُّ ما قاله هؤلاء فهو صواب؛ لِمَا ظهر لنا من صوابهم.
وانضافَ إلى ذلك أنَّ أولئك لمَّا وقفوا على الصواب فيما أدَّتهم إليه أفكارُهم من الرياضيات وبعض الطبيعيات وَثِقُوا بعقولهم، وفرحوا بما عندهم من العلم، وظنُّوا أنَّ سائر ما أحْكَمَتْه أفكارُهم من العلم بالله وشأنه وعظمته هو كما أوقعهم عليه فكرُهم، وحكمُه حكمُ ما شهد به الحِسُّ من الطبيعيات والرياضيات؛ فتفاقمَ الشرُّ، وعَظُمَت المصيبة، وجُحِدَ اللهُ وصفاتُه وخلقُه للعالَم وإعادتُه له، وجُحِدَ كلامُه ورسلُه ودينُه.
ورأى كثيرٌ من هؤلاء أنهم هم خواصُّ النوع الإنسانيِّ وأهلُ الألباب، وأنَّ ما عداهم هم القُشور، وأنَّ الرسلَ إنما قاموا بسياستهم لئلَّا يكونوا كالبهائم، فهم بمنزلة قيِّم المارِستان ، وأمَّا أهلُ العقول والرياضات والأفكار فلا يحتاجون إلى الرسل، بل هم يعلِّمون الرسلَ ما يصنعونه للدَّعوة الإنسانية، كما تجدُ في كتبهم: وينبغي للرسول أن يفعلَ كذا وكذا! والمقصودُ أنَّ هؤلاء لمَّا أوقعَتهم أفكارُهم على العلم بما خفي على كثيرٍ من الناس من أسرار المخلوقات وطبائعها وأسبابها، ذهبوا بأفكارهم وعقولهم، وتجاوزَت ماجاءت به الرسل، وظنُّوا أنَّ إصابتهم في الجميع سواء، وصار المقلِّدُ لهم في كُفرهم إذا خطرَ له إشكالٌ على مذهبهم أو دَهَمَه مالا حيلةَ له في دفعه مِن تناقُضهم وفساد أصولهم يحسِّنُ الظَّنَّ بهم، ويقول: لا شكَّ أن علومهم مشتملةٌ على حلِّه والجواب عنه، وإنما يَعْسُرُ عليَّ إدراكُه لأني لم أحصِّل الرياضيات ولم أُحْكِم المنطقيَّات وعدةَ علومٍ قد صقَلَتها أذهانُ الأوَّلين وأحكمَتها أفكارُ المتقدِّمين!
فالفاضلُ كلُّ الفاضل من يفهمُ كلامهم، وأمَّا الاعتراضُ عليهم وإبطالُ فاسد أصولهم فعندهم من المُحال الذي لا يُصَدَّق به.
وهذا مِن خداع الشيطان وتلبيسه بغروره لهؤلاء الجُهَّال مقلِّدو أهل الضلال، كما لبَّسَ على أئمَّتهم وسَلفِهم بأنْ أوهمَهم أنَّ كلَّ ما نالوه بأفكارهم فهو صواب، كما ظهرت إصابتُهم في الرياضيات وبعض الطبيعيات، فركَّب مِن ضلالِ هؤلاء وجهلِ أتباعهم ما اشتدَّت به البليَّة، وعَظُمَت لأجله الرزيَّة، وخربَ لأجله العالَم، وجُحِدَ ما جاءت به الرسل وكُفِرَ بالله وصفاته وأفعاله.
ولم يعلم هؤلاء أنَّ الرجلَ يكونُ إمامًا في الحساب وهو أجهلُ خلق الله بالطِّبِّ والهيئة والمنطق، ويكونُ رأسًا في الطبِّ ويكونُ من أجهل الخلق بالحساب والهيئة، ويكون مقدَّمًا في الهندسة وليس له علمٌ بشيءٍ من قضايا الطِّبِّ، وهذه علومٌ متقاربة، والبعدُ بينها وبين علوم الرسل التي جاءت بها عن الله أعظمُ من البعد بين بعضها وبعض.
فإذا كان الرجلُ إمامًا في هذه العلوم ولم يعلم بأيِّ شيءٍ جاءت به الرسلُ ولا تحلَّى بعلوم الإسلام فهو كالعامِّيِّ بالنسبة إلى علومهم، بل أبعدُ منه، وهل يلزمُ من معرفة الرجل هيئةَ الأفلاك والطِّبَّ والهندسةَ والحسابَ أن يكون عارفًا بالإلهيَّات وأحوال النفوس البشرية وصفاتها ومعادها وسعادتها وشقاوتها؟ !
=
=
وهل هذا إلا بمنزلة من يظنُّ أنَّ الرجلَ إذا كان عالمًا بأحوال الأبنية وأوضاعها، ووزن الأنهار والقُنِيِّ ، والقنبطة ، كان عالمًا بالله وأسمائه وصفاته وما ينبغي له وما يستحيلُ عليه؟ !
فعلومُ هؤلاء بمنزلة هذه العلوم التي هي نتائجُ الأفكار والتجارب، فما لها ولعلوم الأنبياء التي يتلقَّونها عن الله بوسائط الملائكة؟! هذا، وأين تعلُّق الرياضيات التي هي نظرٌ في نوعي الكمِّ المتصل والمنفصل ، والمنطقيات التي هي نظرٌ في المعقولات الثانية ونسبة بعضها إلى بعض بالكلِّية والجزئيَّة والسَّلب والإيجاب وغير ذلك = بمعرفة ربِّ العالمين وأسمائه وصفاته وأفعاله، وأمره ونهيه، وما جاءت به رسلُه، وثوابه وعقابه؟ !
ومن الخدع الإبليسيَّة قولُ الجُهَّال: إنَّ فهمَ هذه الأمور موقوفٌ على فهم هذه القضايا العقلية.
وهذا هو عينُ الجهل والحُمْق، وهو بمنزلة قول القائل: لا يَعرفُ حدوثَ الرُّمانة من لم يعرف عددَ حبَّاتها وكيفيةَ تركيبها وطبعَها! ولا يعرفُ حدوثَ العَيْن من لم يعرف عدد طبقاتها وتشريحها وما فيها من التركيب! ولا يعرفُ حدوثَ هذا البيت من لم يعرف عددَ لَبِنَاته وأخشابه وطبائعها ومقاديرها! وغير ذلك من الكلام الذي يضحكُ منه كلُّ عاقل، وينادي على جهل قائله وحُمْقِه
بل العلمُ بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله ودينه لا يحتاجُ إلى شيءٍ من ذلك، ولا يتوقَّفُ عليه، وآياتُ الله التي دعا عبادَه إلى النظر فيها دالَّةٌ عليه بأوَّلِ النظر دلالةً يشتركُ فيها كلُّ سليم العقل والحاسَّة.
وأمَّا أدلةُ هؤلاء، فخيالاتٌ وهميَّة، وشُبَهٌ عَسِرَةُ المُدْرَك، بعيدةُ التحصيل، متناقضةُ الأصول، غيرُ مؤدِّيةٍ إلى معرفة الله ورسله والتصديق بها، مستلزمةٌ للكفر بالله وجَحْدِ ما جاءت به رسلُه.
وهذا لا يصدِّق به إلا من عرفَ ما عند هؤلاء، وعرفَ ما جاءت به الرسل، ووازَن بين الأمرين، فحينئذٍ يظهرُ له التفاوت، وأمَّا من قلَّدهم وأحسنَ ظنَّه بهم ولم يعرف حقيقةَ ما جاءت به الرسلُ فليس هذا عُشَّه، بل هو في أوديةٍ هائمٌ حيران، ينقادُ لكلِّ حيران.
يَغْدُو من العلم في ثوبين مِنْ طَمَعٍ ... مُعَلَّمَيْن بحِرْمانٍ وخِذلانِ
والطائفةُ الثانية : رأت مقابلةَ هؤلاء بردِّ كلِّ ما قالوه من حقٍّ وباطل وظنُّوا أنَّ مِن ضرورة تصديق الرسل ردَّ ما عَلِمَه هؤلاء بالعقل الضروريِّ، وعلموا مقدِّماته بالحِسِّ، فنازعوهم فيه، وتعرَّضوا لإبطاله بمقدِّماتٍ جدليَّةٍ لا تغني من الحقِّ شيئًا، وليتهم مع هذه الجِناية العظيمة لم يُضِيفوا ذلك إلى الرسل، بل زعموا أنَّ الرسلَ جاؤوا بما يقولونه، فساء ظنُّ أولئك الملاحدة بالرسل، وظنُّوا أنهم هم أعلمُ وأعرفُ منهم، ومن حَسُنَ ظنُّه منهم بالرسل قال: إنهم لم يَخْفَ عليهم ما نقولُه، ولكنْ خاطَبوهم بما تحتملُه عقولهُم من الخطاب الجمهوريِّ النافع للجمهور، وأمَّا الحقائقُ فكتموها عنهم.
والذي سلَّطهم على ذلك جحدُ هؤلاء لحقِّهم، ومكابرتهُم إيَّاهم على ما لا تمكنُ المكابرةُ عليه مما هو معلومٌ لهم بالضرورة؛ كمكابرتهم إيَّاهم في كون الأفلاك كُرِيَّةَ الشَّكل، والأرض كذلك، وأنَّ نورَ القمر مستفادٌ من نور الشمس، وأنَّ الكسوفَ القمريَّ عبارةٌ عن انمحاء ضوء القمر بتوسُّط الأرض بينه وبين الشمس من حيثُ إنه يقتبسُ نورَه منها، والأرضُ كرةٌ والسماءُ محيطةٌ بها من الجوانب، فإذا وقعَ القمرُ في ظلِّ الأرض انقطعَ عنه نورُ الشمس، كما قدَّمنا.
وكقولهم: إنَّ الكسوفَ الشمسيَّ معناه وقوعُ جِرْم القمر بين الناظر وبين الشمس عند اجتماعهما في العقدتين على دقيقةٍ واحدة .
وكقولهم بتأثير الأسباب المحسوسة في مسبَّباتها، وإثباتِ القُوى والطبائع والأفعال والانفعالات، مما تقوم عليه الأدلةُ العقلية والبراهينُ اليقينية.
أقول : ومما يؤكد صواب كلام ابن القيم أن كثيرين قالوا بقدم العالم تقليداً لعدد من مشاهير الفلاسفة الطبيعيين والآن حتى الملحدين يقولون بحدوث العالم في أغلبهم
قال الغزالي في التهافت : فنقول: الناس فرقتان: فرقة أهل الحق وقد رأوا أن العالم حادث وعلموا ضرورة أن الحادث لا يوجد بنفسه فافتقر إلى صانع، فيعقل مذهبهم في القول بالصانع، وفرقة أخرى هم الدهرية وقد رأوا العالم قديماً كما هو عليه ولم يثبتوا له صانعاً، ومعتقدهم مفهوم وإن كان الدليل يدل على بطلانه. وأما الفلاسفة فقد رأوا أن العالم قديم ثم أثبتوا له مع ذلك صانعاً، وهذا المذهب بوضعه متناقض لا يحتاج فيه إلى إبطال.
والملاحدة الْيَوْم خالفوا كل هذه المذاهب فقالوا بحدوث العالم دون الإفتقار إلى خالق وذلك أفسد المذاهب طرا
كثير من الناس إذا نشر منشورا في (الفيس بوك) أو نشر تغريدة في (تويتر ) يفرح كلما زاد حجم التفاعل مع ما كتب وتمت مشاركته أو إعادة تغريده
ولكن هذا الشعور ينعكس تماما إذا اكتشف أن في هذا المنشور أو التغريدة فيه أو فيها خطأ فادح قد يجعله محط سخرية أو نقد شديد فإنه سيسعى إلى حذف ما كتب ويحمد الله كلما كان التفاعل أضعف ويتضايق من التفاعل الكبير ويسأل الله ألا يكون أحدهم احتفظ بالمنشور أو التغريدة عنده
والأمر نفسه إذا كان في المكتوب ما يشكل خطورة أمنية عليه أو يمثل توجها قديما له تراجع عنه
هذا الانتقال العجيب في الشعور من محبة الانتشار إلى محبة الخمول سيشعر به كثيرون يوم القيامة إذا اكتشفوا أن ما كتبوه لا يرضي الله عز وجل وأنهم محاسبون عليه مدانون تماما
فإنهم وقتها سيتمنون أن يكون الكلام لم يتداوله إلا قلة لأن ذلك سيكون أقل لآثامهم فتزيد فرص نجاتهم بل سيتمنون أن يكون قد رد عليهم من حمى الناس الذين يثقون بهم من تقليدهم على باطلهم وقد كانوا في الدنيا أبغض الناس إليهم هؤلاء الناقدين ولكنهم يوم القيامة سيكونون من أحب الناس إليهم لأنهم يخففون آثامهم
وأخيرا يقال : الأجر لا يقاس بكثرة المنتفعين فحسب بل يقاس بإخلاص المرء أيضا فالله قد يثيبك على قوة إخلاصك في نفعك لرجل كما يثيب غيرك على نفعه لألف ( والله يضاعف لمن يشاء ).
ثم عدد المنتفعين لا يقاس بحياتك فقد يكون المنتفعون قلة الْيَوْم ويصيرون كثرة كاثرة غدا وقد تنتقل منك كلمة إلى أذن شخص له قبول بإسناد طويل بينك وبينه فيفشيها في الملايين فتثاب عليها وتكون معروفا في السماء وإن لم يعرفك أهل الأرض
لذا لا تجعل قلة المنتفعين سببا في التوقف
ولا تنظر بغبطة لأولئك الذين ينشرون الباطل ويكثر أتباعهم في ذلك بل ينبغي أن تنظر إليهم بشفقة على ما سيحملون من الأوزار يوم القيامة
وكم من مستقيم غبطهم فصار يقلدهم شيئا فشيئا حتى مسخ تماما بعدها
والكمال أن يجتمع الانتشار مع الاتباع والإخلاص والأخيران كافيان لمرافقة النبيين والصديقين في الجنان فاجعلهما همك ولا تخدشهما طمعا في الأول فتلك حيلة شيطانية انطلت على كثيرين على أنه لا عيب في طلبه بل ذلك من محبة الخير للناس ولكن مع عدم إهمال الإخلاص والاتباع وهما مقدوران على كل حال والانتشار مقدورا على كل حال ولا يكلف نفسا إلا وسعها فلا تضيع المقدور الذي سيحاسبك الله عليه لتحصيل غير المقدور الذي لن يحاسبك الله عليه
وإنما يحاسب المرء على التنفير ومن تحرى الاتباع واللين في محل اللين والشدة في محلها فلست منفرا بحال غير أن بعض الناس يبالغون في وصم غيرهم بالتنفير حتى أدخلوا الناس بالوسوسة فنفر كثيرون من الدعوة لأن هؤلاء القوم يوجبون اللين في كل حال مهما كانت المخالفة ومهما كان حال المخالف هذا مع دخول عدد من المسميات والمصطلحات الشرعية في مسمى ( الشدة المنفرة ). تأثرا بالثقافة الليبرالية وهذا المذهب مع إفراطه في الطوباوية وخروجه عن سَنَن جميع العقلاء فضلا عن الشريعة التي جمعت كل خير وأهل هذا المذهب أنفسهم يخالفونه في مناسبات ليست بالقليلة فمفمهوم التنفير عندهم مثل مفهوم التشبيه عند الجهمية مفهوم يختلط فيه الحق بالباطل ومفهوم الرفق عندهم مثل مفهوم التنزيه عند الجهمية جزء منه موافق للشريعة وجزء محارب لثوابتها
فهؤلاء إن تسلطوا عليك أدخلوك في الوسواس وأشعروك دائما أن كل بلاء في الدنيا أنت تحمل وزره وأن كل عصاة أهل الدنيا أحسن حالا منك من بعض الوجوه يقينا وهل أنت أحسن منهم من بعض الوجوه هذا محل بحث ! ولا شك أن هناك منفرين حقا ولكن أكبر خدمة قدمت لهم أن اختلط التحذير منهم مع التحذير من ممارسات شرعية سليمة فصار عندهم ما يصولون به ويجولون