مشاهدة النعمة مفتاح الإيمان والبعد عن الكفر بكل أنواعه
مشاهدة النعمة مفتاح الإيمان والبعد عن الكفر بكل أنواعه
هناك ذنوب وصفت في الأحاديث بأنها كفر واتفق العلماء على أن الأمر ليس كفراً أكبر
كما ورد في الحديث: ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )
وورد أيضاً : ( من انتسب لغير أبيه فقد كفر )
وورد قول الصحابية في شأن النشوز على الزوج وترك حقه ( ولكنني أكره الكفر في الإسلام ) وسمي في الحديث الآخر كفران العشير
وصح عن ابن عباس أنه لما سئل عن إتيان المرأة في الدبر قال : هذا يسألني عن الكفر .
فما سر وصف هذه الذنوب من دون غيرها ب ( الكفر ) مع أنها لم تصل للكفر الأكبر باتفاق العلماء
فيقال والله أعلم : الكفر الأكبر فيه معنى جحد النعمة بنسبتها لغير الله أو صرف ما ينبغي من شكر وعبادة وتذلل لغيره سبحانه أو إنكار ذلك تماماً
الله عز وجل أنعم علينا بالوجود وأنعم علينا بنعمة التعرف عليه سبحانه والتواصل معه بالعبادة ثم أنعم علينا بالإثابة على هذه النعم
والشرك جحود مع استبدال للأعلى الحق بالأدنى الباطل
وكل ما وصف ب( الكفر ) في النصوص فيه شيء من هذا المعنى في مقابل نعم كبيرة ولكن لم يصل الأمر إلى حد الكفر الأكبر
فأما قوله ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )
فالنعمة المجحودة هنا ما أشير إليه بقوله تعالى : (واذكروا نعمت الله عليكم إذ كُنتُم أعداء فألف بين قلوبكم وأصبحتم بنعمته إخوانا )
فاستبدلت الأخوة الدينية بعداوة دنيوية فاستبدل أعلى حق بأدنى باطل والأعلى الحق نعمة عظيمة من الله ونظير هذا ما ورد في خبر ( من قال لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما ) فقولك له هذا براءة من أخوته والكفر هنا كفر نعمة بدليل إثبات الأخوة بينهما
ويخرج من هذا قتال المسلم الباغي أو الخارجي أو تكفير من استحق الكفر لأن كل ذلك سائغ شرعاً بل واجب على فئة من الناس
وأما حديث ( من انتسب لغير أبيه فقد كفر )
فالنعمة المجحودة هنا تلك الرحمة الفطرية التي أودعها الله في قلوب الوالدين ( في غالب البشر ) والمشار إليها في قوله تعالى : ( رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين) وقوله تعالى : ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً )
والأب هنا من أنجب ولده بنكاح صحيح أو نكاح شبهة لا سفاح في قول جمهور العلماء ( الذين لا يَرَوْن للزاني أن ينسب ولده إليه بأي حال ) والأب الذي أنجب ابنه من نكاح صحيح أو حتى نكاح شبهة محسن غير مسيء فهذا جحد لحقه واستبدال للأعلى الحق بالأدنى الباطل ( الأب غير الصحيح ) مع عظيم النعمة بحنو الوالدين وصحة النسب وبعده عن دنس الزنا
وأما كفران العشير فهو جحود لنعمة السكن المشار إليها في قوله تعالى : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)
ومن أنعم الله عليها بزوج أو عليه بزوجة وكان بينهما صلاح وتحقيق لقضاء الوطر والسكن ثم جحد ذلك حتى صار سببا لعذاب الطرف الآخر فهو مستبدل للنعمة الأعلى بالباطل الأدنى مع عظيم النعمة خصوصاً في حال الرجل الذي يكفر حقه ويكون قد تكلف مهراً ونفقات ويجد نفسه بالعطاء فذلك الذي هو ملزم به فيقال له : ما رأيت منك خيراً قط .
وأما إتيان المرأة في الدبر فكذلك النعمة المشار إليها في الآية السابقة وتأمل قول نبي الله لوط : (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ )
وذلك أن الله أنعم على البشر بهذه اللذة المباحة وجعلها من أعلى الملذات وجعل فيها سبحانه بقاء النوع فالذهاب للذة أخرى فيها دنس وعدم بقاء للنوع استبدال للأعلى الحق بالأدنى الباطل وقد وصف بعض السلف إتيان النساء في الدبر ب ( اللوطية الصغرى ).