كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

من ضحية للصورة النمطية إلى صانع لها..

المصدر
من ضحية للصورة النمطية إلى صانع لها.. من حيل أهل الباطل في تشويه أهل الحق صناعة صورة نمطية مشوهة عنهم، من أبرز الأمثلة على ذلك طريقة الإعلام الليبرالي في الحديث عن الإنسان الملتزم. فهم يصورونه دائماً على أنه محتقن عابس متعجل في الأحكام، بعيد عن العلم والمعرفة والتفكير الدقيق السليم. ثم هم يصورون الليبرالي بصورة المثقف المستنير الهادئ، الذي يقرأ كثيراً ويملك تفكيراً ناقداً دقيقاً. الإشكال ليس في هذا التنميط فحسب، وإنما الإشكال في حصر البشر في قالبين، فقد يكون الإنسان هادئاً ولكنه أحمق أو سوفسطائي أو جاهل، وقد يكون الإنسان فيه حدة ولكنه ذكي ومثابر وعادل وشجاع وتقي وعطوف، كما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه على سبيل المثال. فالناس أكثر من أن يُحصروا في قالبين. غير أن العجيب أن كثيراً من المتدينين تأثروا بهذه الصورة النمطية، وصاروا يحاولون قدر المستطاع معاكستها في طريقة الحديث والظهور، وحتى في الاختيارات العلمية. هؤلاء وقعوا في الفخ، فإن المقصود من رسم الصورة النمطية هو هذه النتيجة، لأن أهل النفاق يتضايقون من عزة أهل الإيمان، ومن شدتهم عليهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيحاولون الربط بين هذه المعطيات وحماقات قد تصدر من البعض، ولكن تعميمها جور. فأنت إن استجبت للصورة التي اقترحوها عليك فاعلم أنك بدأت تنجرف في سلم التنازلات من حيث لا تشعر، وأشد ذلك؛ أن تكون ترد عليهم في قضايا معينة فتطمئن أنك لست منهم، وأنت متأثر بهم في قضايا أخرى وأنت لا تشعر. المشكلة في هؤلاء الذين وقعوا في فخ الصورة النمطية أنهم تحولوا تلقائياً إلى منتجين لها، بحيث إذا رأوا متديناً من إخوانهم فيه نوع حمية أو حرقة على الحق زائدة على ما هم عليه رسموا له صورة نحو ما كان يرسم العالمانيون عنهم قبل التنازل! والطريف أن بعض هؤلاء يحاول تقليد المستشرقين والحداثيين، والكلام عن البحث العلمي المتجرد، والاهتمام بالحقيقة فحسب. والواقع أن كلنا يعرف أن الواقع في فخ الصورة النمطية إن كان القول السائد شديداً وأخذه بحثه العلمي -إن كان بحثاً علمياً حقاً- إلى نتيجة فيها تسامح أو تخفيف من التشديد فإنه يشيع هذا القول في كل محفل، ويتشجع أن ينشره بين الناس. وإن كان العكس فإنه غالباً يخنس، حتى لا يُتهم بالتشدد أو تفريق المسلمين، ونحوها من التهم الجاهزة، وهذه أحسن أحواله، فإن كثيراً منهم تجده يتكلم بالباطل والاجتزاء الموافق للهوى العام. فالمرء منهم كان يكفيه أن يكون منحازاً ساكتاً لا منحازاً متشبعاً بما لم يعط. العلماء قديماً كان يهمهم السير على منهج علمي سواءً كانت النتيجة مع هوى الناس أو ليس مع هواهم. فعلى سبيل المثال رجل احتج بأثر عن عمر بن الخطاب في تحليل أمر ما، وقال إن قول عمر حجة لأنه ما خالفه أحد من الصحابة، ثم وجد في مسألة أخرى أثراً عن عمر في تحريم أمر ما، وتنطبق عليه المواصفات نفسها، فإنه سيقول به حتى لا يكون متناقضاً. ولكن في زماننا قد تجد أسيراً للصورة النمطية يقبل أثر عمر في الأولى ويتركه في الثانية، حتى لا يقال عنه متشدد، أو يكون أشد حماساً في الأولى منه في الثانية، فتلك يظهرها للعامة والثانية فقط في المجالس الخاصة. فهم يأبهون لمن لا ينظر للمنهج العلمي وفقط ينظر (هذا حرَّم) (هذا كفَّر) (هذا بدَّع)، مع أنه لا يوجد منهج علمي رصين في الدنيا إلا وفيه تحليل وتحريم، وتكفير وأسلمة، وتبديع وتسنين، ولكنك كما تجد الليبرالي المتهتك ومن تأثر به إن حرَّمت بعض ما يهوى بالأدلة قال (خنقتونا، حرمتم كل شيء)، فمثله الواقع في فخ الصورة النمطية، تجد في كلامهم عبارات مثل (ما تركوا أحداً، كفروا كل الناس، بدعوا كل الناس) ونظير ذلك من الافتراء أو التهويل، ثم تجد صاحب هذه العبارات نفسه ينكر على من يقول بتعدد الحقيقة، وينتصر لحديث الفرقة الناجية الواحدة! =