قوله تعالى ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا
قوله تعالى ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ )
فيه الخروج والسلامة من كل الملل الباطلة
فقوله ( الذين يؤمنون بالغيب ) فيه الخروج من قول الدهرية الذين نسميهم اليوم الملاحدة وأشهر أصنافهم اليوم الماديون الذين يقولون ما ثمة شيء إلا المادة المرصودة أو التي يمكن رصدها ، والإيمان بالغيب رأسه الإيمان بالله عز وجل وذلك مقتضى النظر العقلي ثم كل ما سواه من الغيبيات مثل الإيمان بالنبوة وما تضمنته من الإيمان بالغيبيات الأخرى تابع لهذا الغيب
وقوله ( ويقيمون الصلاة ) فيه خروج عن قول الربوبية واللادينية الذين يؤمنون بالخالق ولكن لا يتواصلون معه ولا يعبدونه بل نهاية أمره نسبته إلى العبث من إيجادهم تعالى الله عما يقولون
وقوله ( ومما رزقناهم ينفقون ) فيه الخروج من قول بعض الفلسفات الشرقية التي تؤمن بقوى عظمى وقد تكون الخالق وتتواصل معها ولكن يرون ذلك لا يكون إلا بالرهبنة والخروج من الدنيا ، فجاء التنبيه على الخروج من مسالكهم والنفقة الغالب تكون من أهل الثراء غير أنه حتى الفقير ينفق على أهله وله بنفقته هذه أجر مع الحسبة وكل معروف صدقة فالغني يعطي الفقير والفقير ينفق على نفسه وأهله وهكذا تكون النفقة عامة في الجميع
كما أن في الآية الخروج من مسالك الفردانيين الماديين من غلاة الملاحدة ممن لا يرون للنفقة على الفقير معنى فالحياة صراع لا تكافل بل ذهب مالتوس الذي تأثر به دارون إلى أن الإنفاق على الفقراء والضعفة يعطل التطور لأننا نبقي على غير الصالحين أطول وقت ممكن وهذا عكس عمل الطبيعة وشبه دارون ذلك برجل يربي دواجن فإنه سيبقي القوية منها للتناسل ويتخلص من الضعيفة لكي يحصل على نسل جيد وهذا مقتضى قول عامة الملاحدة الماديين ولكنهم يتنصلون منه لقبحه ومنهم من يخالفه عملياً ولكن لا يمكن أن يثبت عقلياً اتساق الإحسان مع فلسفته العقائدية حتى قال دوكنز ما معناه لنتعلم السخاء لأنه خلاف عمل الجينات
وسبحان الله في الآية التنبيه على نقض مأخذهم فقال تعالى ( رزقناهم ) فهم لما استبعدوا أن الرزق من عند الله ويعمل به على ما أراد الله ونسبوا هذا الرزق لأنفسهم بخلوا به ونظروا للبخل
وقوله : ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) فيه الخروج من قول اليهود والنصارى الذين آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض وفيه الآية الإشارة إلى ختم النبوة وإبطال كل ادعاء نبوة بعده صلى الله عليه وسلم لأنه ذكر الإيمان بما أنزل إلى النبي وما أنزل قبله ولَم يذكر إيماناً بشيء سينزل بعده
وقوله : ( وبالآخرة هم يوقنون ) هذه القاضية التي من خلال النظر فيها تقرأ الدنيا كلها فاليوم الإنسانوية والعالمانية والليبرالية وغيرها من الأفكار مبنية على إهمال اعتبار الآخرة والاستهانة بعلماء الآخرة في مقابل علماء الدنيا وتعظيم الدنيا وإن لم توصل إلى لآخرة وشدة الإعجاب بمن يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ، وتعظيم الإنسان لمجرد أنه إنسان بغض النظر عن مصيرة في الآخرة ورفض أن تكون عقيدتنا الذي يتحدد عليها مصيرنا في الآخرة لها أثر في الأحكام الدنيوية التي تحكمنا
فعامة حملة هذه الأفكار إما كفار بالآخرة صراحة أو يؤمنون بها إيماناً لسانياً مع عدم قبول لوازم هذا الإيمان فهم ( لا يوقنون ) بها حقاً