في رحاب الإرشاد العلوي
في رحاب الإرشاد العلوي
قال ابن الجوزي في نواسخ القرآن
أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي، قال: أخبرنا عمر بن عبيد الله البقال قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: أخبرنا إسحاق بن أحمد الكاذي قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا عبد الملك بن عمرو، قال: حدثنا يزيد يعني ابن إبراهيم بن العلاء الغنوي:
أن سعيد بن أبي الحسن لقي أبا يحيى فقال: يا أبا يحيى: من الذي قال له علي اعرفوني اعرفوني؟
فقال إني أظنك عرفت أني أنا هو، قال: قال: ما عرفت أنك هو، قال: فإني أنا هو، مر بي وأنا أقص بالكوفة، فقال: من أنت فقلت أنا أبو يحيى، قال: لست بأبي يحيى ولكنك اعرفوني، هل عرفت الناسخ من المنسوخ؟ , قلت: لا
قال: هلكت وأهلكت، قال: فلم أعد بعد ذلك أقص على أحد.
هذا الأثر العجيب وقفت عنده كثيراً ، قول السلف الناسخ والمنسوخ يريدون به العام والخاص والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ بالمعنى المتأخر
وبعد التدبر وجدت أن هذا يعالج مشاكل كثيرة نعاني منها ، وبداية فهم الأثر جاء من الإشكال عليه من أن القصاص هم الوعاظ أو عموم المدرسين وهؤلاء لهم أثر إيجابي على الناس فيذكرون الغافل ويتوبون العاصي فلماذا أنكر علي على الرجل قصه لأنه لا يعرف الناسخ والمنسوخ في القرآن ؟
الإجابة على الإشكال هي أن للسلف فهماً دقيقاً فهم لا ينكرون أصل الوعظ ولا التذكير بالله ولا جمع الناس على الخير ولكن مشكلتهم مع الخطاب المختزل فخطاب الناس بالترغيب والترهيب هو من الشرع ولكن إذا جاءك العامي وأقبلت عليه بهذا الخطاب فإنه بعد تأثره بخطابك سينتقل للتطبيق والتطبيق لا بد أن ينصبط بالسنة فإن لم يكن عندك علم فقد يلجأ إلى رأيه فيضيع
فإن قيل : المرء يتوب عند الواعظ ثم يرشده الواعظ للفقيه
فيقال : نعم هذا صحيح ولكن كثيراً من الناس يعتادون على المادة الوعظية المكثفة فيثقل عليهم مجالسة العلماء وهذا نبه عليه أيوب السختياني ولهذا أفاضل وعاظ السلف كان لهم باب في الفقه والحلال والحرام كمثل عبيد بن عمير وثابت بن أسلم البناني
وإذا لم يجالس الفقهاء قد يظن أن الأمر لا يحتاج إلى سؤال ويتكل فيه على رأيه ، وقد كانت الخوارج في زمن السلف تصتطاد الناس بهذا إذ يملأون قلوبهم حماساً ويجعلونهم يندمون بشدة على معاصيهم ثم يخاطبونهم بمعاني أصلها صحيح من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم تحت وطأة هذا يدخلون عليهم مذاهبهم ولهذا كان الحسن يقول في بعض الخوارج : رأى منكراً فوقع فيما هو أنكر منه .
وعلي بن أبي طالب عاصر الخوارج وعرف أساليبهم لهذا كان منه ما كان فكانوا يستحبون للمرء أن يتعود التسليم وطرق العلماء في الجمع بين النصوص وتوضيحها قبل أن يملأ قلبه خطاب حماسي مجرد يصير يقرأ الشرع من خلاله بجهل
ثم قابل الخوارج أهل الإرجاء والذين حدثوا الناس بخطر كلام الخوارج وكيف أنهم سفكوا الدم الحرام وأفسدوا في الديار وأضعفوا المسلمين حتى تسلط عليهم الأعداء وذموا توسع الخوارج في التكفير وتحت وطأة هذا الخطاب يكون العامي مهيئاً لئن يدخل عليه الإرجاء وإخراج العمل من مسمى الإيمان وتسمية الفاسق الملي مؤمنا كامل الإيمان ويرى ذلك خير طريق لسد الطريق عن غلو الخوارج ويربط ربطاً عجيباً بين إرجائه وذم الخوارج فيعتبر نقدك لإرجائه انتصاراً للخوارج
=