في رحاب دقة المحدِّثين: تتبع المسيرة التاريخية لحكم الحديث...
في رحاب دقة المحدِّثين: تتبع المسيرة التاريخية لحكم الحديث...
قال أبو داود في سننه ٢١١٧ - حدثنا محمد بن يحيى بن فارس الذهلي، ومحمد بن المثنى، وعمر بن الخطاب، قال محمد: حدثنا أبو الأصبغ الجزري عبد العزيز بن يحيى، أخبرنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم خالد بن أبي يزيد، عن زيد بن أبي أنيسة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله، عن عقبة بن عامر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «أترضى أن أزوجك فلانة؟»، قال: نعم، وقال للمرأة: «أترضين أن أزوجك فلانا؟»، قالت: نعم، فزوج أحدهما صاحبه، فدخل بها الرجل ولم يفرض لها صداقا، ولم يعطها شيئا وكان ممن شهد الحديبية وكان من شهد الحديبية له سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجني فلانة، ولم أفرض لها صداقا، ولم أعطها شيئا، وإني أشهدكم أني أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهما فباعته بمائة ألف. قال أبو داود: وزاد عمر بن الخطاب، وحديثه أتم في أول الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير النكاح أيسره»، وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجل ثم ساق معناه. قال أبو داود: يخاف أن يكون هذا الحديث ملزقا لأن الأمر على غير هذا.
أقول: موطن الشاهد عندي قول أبي داود: "يخاف أن يكون هذا الحديث ملزقًا لأن الأمر على غير هذا".
هذه الكلمة على اختصارها هي ضمن باب جليل من أبواب حفظ السنة والذي لو فهمته لعلمت دقة المحدثين العظيمة وأن حفظ السنة آية من آيات الله عز وجل في هذه الأمة.
وشرح المسألة ما يلي:
الأحاديث على ثلاثة أضرب:
١) إما ذات مضمون عقدي وهذه الأصل فيها أن له رافدًا في القرآن جليًّا أو خفيًّا مع تفاسير سلفية، والأحاديث في الباب تكون كثيرة مستفيضة مع آثار السلف.
وهذه إذا صح إسناد الخبر منها في جزئية معينة ضمن باب كبير فإننا يمكننا التأكد من قوة الخبر بعدة قرائن منها الطرق الأخرى ومنها الشواهد المعنوية العامة.
فمثلًا لو اعترض معطل على حديث من أحاديث الصفات بحجة أن ظاهره يفيد التشبيه أو التجسيم فالجواب عليه يكون أن هناك آيات قرآنية تزعمون أن ظاهرها يفيد هذا ثم تؤَوِّلون، فلماذا الطعن على الثقات في روايتهم أمرًا ظاهره يستلزم شيئًا يستلزمه ظاهر الآيات القرآنية أو الأحاديث المتواترة مثل حديث النزول وحديث الرؤية وغيرها.
٢) أحاديث فضائل ومناقب وأدعية:
وهذه الخطب فيها يسير، فعادة ما تكون مندرجة تحت باب ثابت باتفاق أهل الملة.
٣) أحاديث الأحكام أو الحلال والحرام مما قد يقع فيه اختلاف:
وهذه يُدقِّق فيها المحدثون تدقيقًا شديدًا، فلا يكتفون بسلامة ظاهر الإسناد ولا سلامته من العلة الخفية حتى.
بل يتَتَبَّعون المسيرة التاريخية للحديث، فيرون من أفتى به من أهل العلم، فإن وجدوا عامة العلماء يفتون بخلافه تشكَّكوا في أمره، بل ربما ضعَّفوا الراوي بروايته مثل هذه الأمور والإكثار منها.
ولهذا تجد في صحيح البخاري معلقات، فهو يعلق فتاوى الصحابة والتابعين التي تتضمن مضمون الخبر ثم يسند الخبر.
وتجد في جامع الترمذي ذِكر من عمل بهذا الحديث من الفقهاء.
ولهذا السؤال السخيف (كيف كان الناس يتعبَّدون قبل صحيح البخاري) مبنيٌّ على عدم فهم هذه الفكرة.
وقد بذلوا مجهودًا عظيمًا في حفظ فتاوى الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار، ليعرفوا ما كان من فتيا صاحب وغَلِطَ بعض الرواة وجعلها من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وليعرفوا ما أفتى به الصحابة والتابعون من مضامين الأحاديث، ولهم في ذلك تدقيقات ليس هذا محل بسطها.
فإن لم يجدوا في الزمن الأول موافقًا للحديث أو مخالفًا -وهذا نادر جدًّا- ففي الغالب ينظرون في عدد طرق رواية الحديث، فإذا كان الحديث مشهورًا طرقه كثيرة وثابتة فإن ذلك يكون مؤذنًا بأنهم استغنوا عن التصريح بمضمونه لانتشاره بين الناس وهذا يصحح الحديث أيضًا، (وإن كان رواه الثقات المأمونون الذين يُحتمل تفرُّدهم فإنهم يقبلونه).
ومن هنا تفهم قول أبي داود "الأمر على غير هذا"، أي أن الفقهاء متفقون على الإفتاء بخلافه، وهذا أيضًا يُبطل مقالة من ينكر حجية الإجماع ويقول بحجية السنة، فإن الإجماع ركن أساسي في عملية النقد الحديثي أصلًا.
وإن وجدوهم مختلفين فهناك من يفتي بمضمونه وهناك من يخالف المضمون، لأنهم يُعمِلون النقد الحديثي المحض في الترجيح بين المفتين بموجب الحكم على هذا الحديث (المهم ألا يُجمِعوا على خلافه).
وإذا كان هذا نقد المحدثين بلغ هذه الدقة في حديث أحكام لا يخالف ما في القرآن ولا يوجد ما يخالفه من السنة الصحيحة عندهم، فهل يُعقل أنهم يصحِّحون أخبارًا تناقض القرآن أو تناقض بداهة العقل كما يزعم بعض المساكين.
وتأمَّل أن الرواة الذين يُوَثَّقون مرويَّاتُهم تخضع لهذا النقد الدقيق، فمن وجدوه يُكثر من أحاديث يتحققون من مخالفتها للأخبار الصحيحة أو تخالف الأقوى منها أو لا يكون عليها العمل ضعَّفوه، فمن خرج من هذه المحاسبة الدقيقة كان ردُّ حديثه الذي لا يوافق ذوق فلان أو قياسه شديدًا.