كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

مقاربة في مسألة التلازم بين التكفير والشهادة بالنار (في قول بعض العلماء)..

المصدر
مقاربة في مسألة التلازم بين التكفير والشهادة بالنار (في قول بعض العلماء).. سألني بعض الأخوة عن قول جماعة من أئمة الدعوة النجدية أن من وقَع في الشرك الأكبر (الظاهر) من هذه الأمة ممن لم تبلغه حجة رسالية لسُكناه في بادية بعيدة مثلًا فأنه ينزل منزلة أهل الفترة، فلا يُشهد عليه بالنار أو الكفر المعذَّب عليه، وأيضًا لا يُترحَّم عليه، بل يوكَّل أمره إلى الله. وقول بعض الناس أن هذا قول محدث ما قال به أحد قبلهم، فالناس إما قائلون بالتكفير مطلقًا أو نافون للتكفير عاذرون مُجرون لأحكام الإسلام الدنيوية عليه. فقلت: قد كنت قديمًا أنقد هذا القول بنحو كلام (بعض الناس) في كلام السائل، ولكن ظهر لي أن البحث أعمق بكثير. خلاصة الذي أفهمه من كلام ابن تيمية -رحمه الله- أن التكفير لا يتلازم مع التعذيب دائمًا، وعنده مثال أهل الفترة، وأهل الفترة ليسوا كلهم ناجين كما يظن بعض الناس فتكون الرسالات هلاكًا على الناس (أي لو ترك الله الناس بلا رسالات لنجوا)، بل أهل الفترة يُمتحنون فمنهم الناجي ومنهم الهالك، كما ورد في بعض الأخبار والآثار، (ولهذا وجود أهل فترة لا يساوي نجاة أبوي النبي مثلًا). ويقابِل هذا المذهب مذهبُ المعتزلة القائلين بأن العقل كافٍ في إقامة الحجة، لذا أهل الفترة كلهم في النار، وهذا الفريق بطبيعة الحال أنكَر حكم أهل الفترة الوارد في بعض الآثار، وتأوَّل قوله تعالى "وما كنَّا معذِّبين حتى نبعث رسولًا" بتأويلات بعيدة ليس هذا محل بسطها. ويقابل هذين المذهبين مذهبُ الأشاعرة القائلين بنفي التحسين والتقبيح العقليين، ويقولون بتعلُّق الثواب والعقاب بورود الشرع، وهؤلاء قسم منهم نفوا أيضا أخبار امتحان أهل الفترة لأنهم مالوا لنجاة أهل الفترة جميعًا، أو لأنهم شعروا بأن من كفر من أهل الفترة يُحاسَب على ذلك بالامتحان، بخلاف من آمن في الفترة فإنه ينجو، وهذا نقيض قولهم بأن الثواب والعقاب يتعلَّق فقط بورود الشرع، (وهذا يفسِّر لك كثرة التشويش على أخبار امتحان أهل الفترة في كلام المتأخرين). وكان ابن تيمية يُقرِّر أن النصوص مبطلة للمذهبين، فهي تذكر أسماء ذمٍّ لأهل الباطل قبل ورود الشرع، ولكنها أيضًا تُعلِّق العقوبة بورود الشرع، دون الثواب، فرحمة الله سبقت غضبه، فنَعَم، العقل والفطرة حجة (خلافًا للأشعرية) ولكن الله تفضَّل وعلَّق العقوبة بورود الشرع (خلافًا للمعتزلة) دون الثواب إذا آمن، وإلا كان المرء من أهل الفترة يُمتحن والمصيران جائزان عليه (خلافًا للفريقين). قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (٢٠/٣٧): "وقد فرَّق الله بين ما قبل الرسالة وما بعدها في أسماء وأحكام، وجمع بينهما في أسماء وأحكام، وذلك حجة على الطائفتين: على من قال: إن الأفعال ليس فيها حسن وقبيح. ومن قال: إنهم يستحقون العذاب على القولين. أما الأول فإنه سمَّاهم ظالمين وطاغين ومفسدين؛ لقوله: "اذهب إلى فرعون إنه طغى" وقوله: "وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين ، قوم فرعون ألا يتقون" وقوله: "إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا يستضعف طائفة منهم يذبِّح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين" فأخبر أنه ظالم وطاغٍ ومفسد هو وقومه، وهذه أسماء ذم الأفعال؛ والذم إنما يكون في الأفعال السيئة القبيحة فدلَّ ذلك على أن الأفعال تكون قبيحة مذمومة قبل مجيء الرسول إليهم، لا يستحقُّون العذاب إلا بعد إتيان الرسول إليهم؛ لقوله: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا". وكذلك أخبر عن هود أنه قال لقومه: "اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون" فجعلهم مفترين قبل أن يحكم بحكم يخالفونه؛ لكونهم جعلوا مع الله إلهًا آخر، فاسم المشرك ثبت قبل الرسالة؛ فإنه يشرك بربه ويعدل به، ويجعل معه آلهة أخرى ويجعل له أندادًا قبل الرسول، ويثبت أن هذه الأسماء مقدم عليها، وكذلك اسم الجهل والجاهلية، يقال: جاهلية وجاهلًا قبل مجيء الرسول، وأما التعذيب فلا". فتأصيل ثبوت (الاسم) دون (العقوبة) أصلُه من الشيخ، ثم من يقرأون كلامه يخرجون عليه. نعم هناك فئة تأتي بنقد الشيخ لكلام المعتزلة ويجعلونه نصرة لمذهب فيه اسم العذر موسَّع جدًّا حتى بعد بلوغ الحجة، بل مع إنكار وجود مسائل ظاهرة أصلًا وإغفالٍ تامٍّ لباب القرائن، وهذا المذهب حقًّا هو المحدث. غير أن بعدها هل يوجد إشارات في كلام أحد غير الشيخ لوجود قسمة (الاسم) و (الحكم) في البدعة المكفرة في هذه الأمة؟ =