كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

يقول أبو تمام:

المصدر
يقول أبو تمام: قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلى الله بعض القوم بالنعم هذا المعنى في كلام أبي تمام مذكور في النصوص في مثل قوله تعالى: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}. وما ذكر في آيات الاستدراج للمشركين ونظائرها، غير أن آيات الوحي بابها الخطاب للعمل، لذا تكون مقترنة بأوامر شرعية فتكون بينة فالحة تأخذ بيدك إلى ما ينبغي أن يكون، بيد أن حكمة الشعر لا تستلذ إلا أن تكون عائمة وفيها شوب تحسر وألم ولو من بعيد يدركه من رق طبعه واستعذب كامن الشعر. هذا المعنى سيار على ألسنة الحكماء والوعاظ، وللوعاظ في تكريسه تفنن معروف، من أشهر ذلك ذكرهم للذنب الذي يكون خيرا على صاحبه، إذ يدفعه للتوبة والإكثار من الأعمال الصالحة، وذكرهم للحسنة التي تحمل صاحبها على الاغترار والإقلال من الأعمال، فيجتمع في هذا التمثيل عدم تقنيط العاصي من رحمة الله وعدم تأمين الطائع من مكر الله وحث الجميع على العمل، وذلك جماع وعظ الوعاظ وحوله يدندنون في عامة ما يقولون. غير أنني داعب ذهني معنى آخر لما قرأت هذا البيت، وذلك أنني تعلمت من بعض المشتغلين بالتخطيط العسكري أنه لا أضر على الجيش القوي من نصر غير مكتمل، يحمله على الاغترار والتهاون، ولا أنفع للجيش الذي اغتر أهله بكثرته من هزيمة غير مكتملة، تحملهم على اليقظة واستدراك العيوب وإدراك مكامن القوة. وكم من حرب انقلبت موازينها ودارت رحاها بسبب هذا المعنى! فكانت نعمة النصر غير المكتمل نقمةً في حقيقتها، وكانت الهزيمة غير المكتملة نعمةً في حقيقتها، ولكنها نعمة نسيئة، وما أزهد الناس في النعم النسيء، وهي {خير وأبقى} (واعتبر ذلك بما كان في الحديبية وحنين). واعتبر هذا المعنى في المعارك الفكرية العقائدية، فما دمت تتنفس، بل ما دام من هم على ما أنت عليه يتنفسون، فما زال في الأمر بقية، والهلاك حق الهلاك هو تسلل اليأس إلى القلوب. والعاقل من يكون له خطان، خط يتعامل فيه مع الأحداث الراهنة بحسب ثوابته وبما يستطيع أن يصلح، دون أن يكلف نفسه ما لا تطيق ويؤنبها على ذلك، ودون أن ينشغل بالمعجوز عنه عن المقدور عليه (فتلك آفة لطالما أكلت من زهرة الشباب ما أكلت). وأما الخط الآخر فخط طويل الأمد، يعمل فيه على الناشئة والدهماء بعمل صبور، حتى لكأنه لا أمد له (والحق أنه ثمة أمد يأذن الله بظهوره وأنت في الطريق حتى تراه كالشمس في رابعة النهار وقد كنت تظن أن لا تلاقيا)، وإياك أن يشغلك الخط الأول عن هذا، بل عند التزاحم قدم هذا ولا يستخفنك الذين لا يوقنون، ولا تزاحم إن شاء الله، وأحسن ما يعمل على هذا الخط في حال سكر خصمك في حميا نصر غير مكتمل وأنت تلملم شتاتك وتحصد منح المحن من زوال أضغان قديمة بين أبناء النهج الواحد وتقارب ما كنا نطمع فيه أيام الرخاء واستبسال فرسان لا تظهر بسالتهم إلا عند استشعار الخطر.