إنما هو وعدٌ إلهي!
إنما هو وعدٌ إلهي!
قال الباحث الكردي الإيراني حسين كريم الجاف في كتابه موسوعة تاريخ إيران السياسي (١/١١٨):
أسباب سقوط الدولة الساسانية:
قد يحلو لبعضهم أن يفسر الانتصارات المذهلة للدعوة الإسلامية على أساس من وهن الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية، فمهما تصل درجة هذا الضعف فلا يستطيع أحد أن يعقد مقارنة بينهما وبين قوة العرب القليلة عددًا وعدة عند بدء الدعوة الإسلامية، يذكر الدكتور مرتضى مطهري في هذا الصدد ما يأتي: في عهد الفتوحات الإسلامية لإيران في أواخر الدولة الساسانية كانت الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية برغم تدهورها وسيرها حثيثًا من سيئ إلى أسوأ، إلا إن هذه الدولة كانت قوية مرهوبة الجانب من الناحية العسكرية بالمقارنة إلى القوة العسكرية الفتية للمسلمين حيث كانت الدولة الساسانية تتمتع بمؤسسة عسكرية ضخمة من حيث العدد والعدة والإمكانيات الاقتصادية وإتقان الفنون الحربية لتلك المرحلة، وانطلاقًا من هذه الحقيقة لم يكن متصورًا أن تنهار الدولة الساسانية بتلك السرعة المذهلة أمام الجموع القليلة نسبيًّا للقوات الإسلامية وعلى الرغم من أن شجاعة الفاتحين المسلمين وايمانهم بالرسالة الإسلامية التي يحملونها واعتقادهم الراسخ بالله الواحد الأحد واليوم الآخر وضرورة تطبيق شريعة الله على الأرض وإنقاذ الشعوب المغلوبة على أمرها من الضلالة والكفر وتحقيق العدالة وإيمانهم بالنصر الأكيد كانت لها دور مهمّ في انتصاراتهم السريعة على الدولة الساسانية، ولكن يجب القول هنا وبصراحة تامة لم تكن القدرة الروحية والإيمان الكامل للفاتحين المسلمين وحدها فقط وراء تلك الانتصارات المذهلة، لأن هذه الجموع مهما تسلحت بقوة الإيمان والشجاعة من المتعذر عليها التغلب على أقوى إمبراطورية في العالم القديم التي بلغ عدد سكانها ١٤٠ مليون نسمة (وهو رقم مبالغ فيه) وانتسبت إلى مؤسستها العسكرية شرائح غفيرة من هذه السكان، وفي مقابل هذه القوة الكبيرة كان عدد المقاتلين المسلمين في حرب إيران وبيزنطة لا يتجاوز ستين ألف مقاتل، وانطلاقًا من هذه الحقيقة يُعزى سبب هذه الانتصارات إلى سبب جوهري يكمن في عدم مجابهة القوات الإسلامية الزاحفة على إيران مقاومة عنيفة من قِبل أكثرية الشعوب الإيرانية التي كانت ترنو إلى الخلاص من نظامٍ سفاكٍ ومؤسسةٍ دينية خشنة قاسية قلبت حياة الأكثرية الساحقة من الإيرانيين إلى جحيم لا يطاق. ومن المؤكد تاريخيًّا أن جموعًا غفيرة من الشعوب الإيرانية رحبت بالفاتحين المسلمين وعدَّت الفتح الإسلامي فرصةً للخلاص من مظالم حكامها والمؤسسة الدينية الزرادشتية، وأغلب الذين يدرسون ظاهرة تاريخية كبيرة كالإسلام يجتهدون اجتهادات كثيرة لا تستند إلى المنطق وهذا ما يفسره مطهري، برغم الأدلة العديدة التي يوردونها فالمؤرخ الذي يؤمن بأن الاقتصاد هو الأساس الوحيد لكل التطور البشري يبحث في الإسلام عن الدوافع الاقتصادية ويركز عليها وحدها فيبدو الإسلام مجرد تحول اجتماعي بسبب تركيبات اقتصادية واجتماعية متصارعة، كما أن الباحثين من المستشرقين خاصة في العقائد يجتهدون في البحث عن الأصل التاريخي للعقيدة الإسلامية في ديانات العرب القديمة وفي الزرادشتية واليهودية والمسيحية وان نمو الإسلام مصطبغ نوعًا ما بالأفكار والآراء الهليسينية ونظامه الفقهي الدقيق يشعر بأثر القانون الروماني ونظامه السياسي كما انه في عصر الخلفاء العباسيين يدل على إعمال الأفكار والنظريات السياسية الفارسية، وهذه العقائد والأفكار ليست صحيحة لأن الإسلام إذا أردنا أن نلقي ضوءًا على العوامل التي أسهمت في تكوينه التاريخي كان ثورة إنسانية على المظالم الاجتماعية واستبداد الطبقات القوية بالطبقات الضعيفة، وتمكن بنجاح من جمع القبائل في أمة ذات خصائص أخلاقية ودينية معتمدة مبادئ الدين الإسلامي الحنيف وأن يكون أساس هذه الوحدة الشعور بالخضوع جميعًا لله الواحد القهّار "واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألَّفَ بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا". انتهى المراد نقله من كلامه، ولكلامه تتمة.
ومهما حاولنا التحليل تبعًا لنظرة من يحلل الأمر وفقًا للأسباب الدنيوية يبقى الأمر قاصرًا ومثيرًا للتعجب، فما ذُكر هنا كيف يمكن إسقاطه على النجاح المبهر في حروب الردة وحرب الروم بل وتأسيس قاعدة الدولة الإسلامية بعد الاستضعاف الشديد.
=