مراعاة البواعث النفسية بين الأطباء والفقهاء !
مراعاة البواعث النفسية بين الأطباء والفقهاء !
من الأمور التي تعلمتها اليوم أن من المشهور عند الأطباء الجراحين أنه لا يسمح لهم بأداء جراحات لأفراد عائلتاهم لأن مستوى الانضباط النفسي اللازم للجراح يكون ضعيفاً إذا تعلق الأمر بشخص عزيز عليه
وجدت سؤالاً في موقع (Quora) وهو موقع ثقافي غربي مشهور مفاد السؤال أنه موجه لأطباء الجراحين المتخصصين ( هل يمكن للأطباء الجراحين أن يجروا عمليات جراحية لأطفالهم )
وطبيعة الموقع أنه يجيب عدد من المتخصصين سأكتفي بنقل جواب واحد منهم إذ يطابق المعلومة التي استفدتها اليوم من بعض المثقفين
كان جوابه : خارج بعض الاستثناءات الضيقة للغاية؟ لا ، وسيكون الأمر غير عادي ومقلق إذا حاولوا الإصرار على القيام بذلك. لا يفترض أن يعالج أي طبيب عائلته بما يتجاوز "الإسعافات الأولية الأساسية" لأن هناك قدرًا معينًا من المسافة العاطفية اللازمة لتشخيص المريض وعلاجه بشكل صحيح. لا أحد من الوالدين يريد أن يسمع أن طفله يعاني من حالة نهائية ، وأن الأطباء بشر فقط ؛ من غير المنطقي أن نتوقع منهم أن يكونوا قادرين على الحفاظ على نوع المسافة العاطفية اللازمة لعلاج فرد من العائلة مثلما يفعل أي مريض آخر.
يصبح هذا مهمًا بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بالجراحة. يحتاج الجراح إلى أن يكون هادئًا ومنفصلًا أثناء العمل ، لأنه حتى الجراحة البسيطة تنطوي بشكل عام على قطع الشخص. ليس من المعقول على الإطلاق توقع أن يكون أحد الوالدين قادرًا على هذا النوع من الانفصال الذي سيكون ضروريًا لأخذ مشرط إلى طفله ؛ يطير في وجه كل ما تتطلبه الرابطة الأبوية. كما ذكرت ، على الرغم من ذلك ، هناك بعض الاستثناءات الضيقة جدًا لذلك. إذا لم يكن هناك أي شخص آخر يمكنه إجراء الجراحة ، أو إذا لم يكن هناك وقت للحصول على شخص مؤهل على قدم المساواة وليس له علاقة بالمريض ، فسيُسمح للجراح بإجراء جراحة على أفراد عائلته. ولكن بشكل عام ، سيفعل المستشفى كل ما هو ضروري لضمان عدم علاج أي طبيب لعائلته.
أقول : كان عندي قديماً بحث في الشهادات وكنت وقفت كثيراً عند هذا الحديث
قال أبو داود في سننه 3602 - حدثنا حفص بن عمر حدثنا محمد بن راشد حدثنا سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رد شهادة الخائن والخائنة وذى الغمر على أخيه ورد شهادة القانع لأهل البيت وأجازها لغيرهم. قال أبو داود الغمر الحنة والشحناء والقانع الأجير التابع مثل الأجير الخاص.
توقفت عند موضوع عدم قبول شهادة القانع لأهل بيت ما مع أنه عدل تقبل شهادته على غيرهم كان هذا محل إشكال عندي ولكن الله يعلم ونحن لا نعلم
ثم تبين لي أنه حتى مع العدالة فإن هناك تسرباً عاطفياً في قضايا النزاعات يفتن المرء فربما جعله لا يبصر الأمر على وجهه أو حتى يضحي بعدالته والأمر شديد والأمر نفسه يقال في موضوع شهادة الوالد لولده
وقد قلت مرة لشاب تذاكرت معه في أمر شهادة النساء في الحدود فقلت له هذا النوع من الشهادات خطير إذ به تجلد الظهور وتقطع الأيدي وتستباح الدماء لذا يتشدد في أمر الشهادة هنا ما لا يتشدد في أمر الأموال وإذا سلمنا من الابنعاث العاطفي للإناث عند مشاهدة الجناية بما يؤثر على الضبط فكيف يمكننا التأكد من السلامة من العداوة مع المشهود عليه مع كون عالم النساء عالم مستتر لا يراه القضاة بخلاف حال الرجال الذي يخرجون ويذهبون ويبيعون ويشترون ويظهر منهم ما يظهر ( والخراجة الولاجة لا تدخل في سلك العدالة في الغالب )
ثم إن الرجل إذا شهد شهادة زور وصح ذلك أورثه ذلك عاراً كبيراً بخلاف المرأة فقد تشهد شهادة الزور ثم تلزم خدرها ولا تخرج إلا منتقبة فلا تعرف فمستوى الرهبة من شهادة الزور عندها أدنى بكثير من الرجل فروعيت هذه البواعث النفسية في الأمر وهذا من دقة الشريعة وضبطها
وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يقضي القاضي وهو غضبان وهذا نظير كلامهم في الطبيب الجراح فالقضاء بين اثنين متنازعين يتطلب ضبطاً نفسياً لا يوجد في الغضبان وإن لم يكن منحازاً لأحد الطرفين وكان عدلاً ولكن هذا لا يكفي
ومن جرب أن يتعرف على النفس البشرية من خلال الأوامر الشرعية أبصر كثيراً مما كان خافياً عليه وفهم ما قد يستشكله من أحوال الناس.