موعظة وليست شماتة
موعظة وليست شماتة
قال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} [الشورى]
يرى بعض الناس أن الحديث عن العقوبة وأن المصائب بسبب الذنوب عند حصول حوادث عظيمة مثل الزلازل خطاب غير مناسب وهو أشبه بالشماتة أو التألِّي على الله عز وجل أو تزكية النفس في مقابل المبتلى إذ أصابه البلاء ولم يصبك..
والحق أن المؤمن إذا صحت عقيدته يعلم أن في هذا الخطاب من المواساة أعظم مما في غيره.
فالمسلم يؤمن أن المصائب كفارات لأهلها كما وردت بذلك الأخبار، وهذا يخفف على الإنسان المرشح للبلاء ويجعله أكثر استعدادًا..
ويخفِّف عن الإنسان الذي فقد عزيزًا إذا قيل له إن تلك كفارة وشهادة إذا مات تحت الهدم كما ورد في الحديث المخرج في الصحيحين من حديث أبي هريرة: "الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغرق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله".
وهذا الضرب من العزاء يملكه أهل الإيمان دون غيرهم، لهذا قال النبي ﷺ: "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية".
قوله: "ليس منا" لأن الكفار الذين لا يؤمنون بالبعث لا يؤمنون بلقاء بعد الموت ولا كفارة لمصيبة، لهذا كان فقد الأحبة عليهم أشد ما يكون، فيخفِّفوا عن أنفسهم بهذه السلوكيات التي تُظهِر الجزع ولا تغني عنهم شيئًا ولهذا كان الرافضة من أقل الناس عقلا إذ يظهرون الجزع على مصاب من يعتقدون أنه بالجنة ويخاطبونه خطاب الحاضر في كل مكان وزمان .
ثم إن في هذا الخطاب موعظةً لمَن بقي أن يحسن، فالمصيبة واقعة واقعة فالانتفاع بها لتقويم السلوك أمر حسن.
قال ابن كثير في البداية والنهاية (14/ 11): "وفي هذا الشهر أراق ملك التتر أبو سعيد الخمور وأبطل الحانات، وأظهر العدل والإحسان إلى الرعايا، وذلك أنه أصابهم برد عظيم وجاءهم سيل هائل فلجأوا إلى الله عز وجل، وابتهلوا إليه فسلموا فتابوا وأنابوا وعملوا الخير عقيب ذلك".
وقال الصفدي في أعيان العصر وهو يتكلم عن هذا الملك التتري المسلم: "وأبطل كثيرًا من المكوس وأطلق جماعة من الحبوس، وأراق الخمور، وصمم في من شربها على أمور، وهدم ما في بغداد من الكنائس، وتتبع من له في دين الإسلام دسائس، وخلع على من أسلم من الذمة، وجعل الترغيب في الدخول للإسلام من الأمور المهمة، وأسقط ما في ممالكه من مكوس الثمار، ولم يدع فيها أحدًا يتعرض لهذا السبب إلى أخذ درهم ولا دينار".
والمكوس هي الضرائب، وقد جرت عادة أهل العلم بتخويف الناس ووعظهم عند مثل هذا كما حصل من عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز.
وقد اعتاد كثير من الناس أن يواجهوا الوعظ بتعاقلات باردة مثل قولهم: (هؤلاء هم الكفار لماذا لا يحصل معهم هذا؟) والكافر له عذاب مدخر في الآخرة، والمؤمن يستعتب، والكافر إن وقع له شيء من ذلك فهذا أول عذابه وما ينتظره في الآخرة أشد.
وبعضهم يقول: (ما ذنب الأطفال والمساكين؟) فيقال له: لأنهم لا ذنب لهم فلهم عند ربهم الجزاء الأوفى وربك أرحم بهم من الناس إذا أخذهم عنده.
فخطاب يسلِّي المصاب ويعينه على الاحتساب ويحثُّ من سلم على طريق الخير والتوبة والأوبة قد يكون أنفع للناس من المساعدات المالية -على أهميتها-، بل ذلك أنفع، ولا بد من جمع الخير كله معنويًّا وماديًّا لمن أصيب من أخوتنا.