إن الرجل الذى يدعى العصمة، وينتحل المنعة، قد نجحت الأمور به على ما قال، وسلمت ال
إن الرجل الذى يدعى العصمة، وينتحل المنعة، قد نجحت الأمور به على ما قال، وسلمت الحال له فيما ادّعى، حتى نصب لعمارات العرب، وجماعات الأمم يقاتل بمن طاوعه من خالفه، وبمن تابعه من عانده، جادّا مشمّرا، محتسبا واثقا بموعود الله ونصره، لا تأخذه لومة لائم فى ربّه، ولا يوجد لديه غميزة فى دينه، ولا يلفته خذلان خاذل عن حقه، حتى أعزّ الله دينه، وأظهر تمكينه، وانقادت الأهواء له، واجتمعت الفرق عليه، ألم يكن ذلك يزيد حقّه يقينا عندكم، ودعوته ثبوتا فيكم، حتى تقول الجماعة من حلمائكم، وأهل الحنكة من ذوى آرائكم: ما كان الرجل- إذ كان وحيدا فريدا قليلا، ضعيفا ذليلا، معروفا بالعقل، منسوبا إلى الفضل- ليجترئ أن يقول: إن الله عز وجل أوحى إليه فيما أنزل من الكتاب عليه أن يعصمه من العرب جميعا، ويمنعه من الأمم طرّا ، حتى يبلّغ رسالات ربه، ويظهره على الدين كله، ويدخل الناس أفواجا فى دينه، إلا وهو على ثقة من أمره، ويقين من حاله.
فسبحان الله يا أهل الكتاب! ما أبين حقّ النبى صلى الله عليه وسلم لمن طلبه"
أقول : خلاصة هذا الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم رجل واحد مستضعف جهر لعموم الأمم بقوتها وعتادها بما يغضبها ويجعلها أحرص الناس على قتله والفتك به خصوصاً مع ظهور من يؤمن به وحقاً دبروا له التدابير فنزل عليه الكتاب بأنه محفوظ حتى يؤدي رسالة ربه فاجتهد الناس في قتله حتى يبطلوا هذا الوعد وينهوا دعوته من الأساس فحفظه الله بمختلف أنواع الحفظ حالاً بعد حال وما قبضه إلا ودينه ممكن في الأرض فإن قلت هو داهية فالداهية لا يقدم على هذه المخاطرة العظيمة التي يغلب على الظن عدم النجاة منها فعامة أهل الأرض يتوعدونك وإن كان لك أتباع وجب لك تجاههم تمام الحلم والعطاء وإظهار البينات وقوة الحجة وإلا ما أطاقوا أن يكونوا معك في معاداة أهل الأرض فما بالك وهو يأمرهم بالتكاليف الشديدة من ترك الشهوات التي ألفوها وإقامة العبادات وإنفاق الأموال بل والجهاد بالنفس ثم إسقاط ثارات الجاهلية لأجل الدين ومؤاخاة الوضيع نسباً ومعاداة القريب إن كان ليس على الدين
وقال أبو الربيع أيضاً وهو يدفع فرية تعلم النبي صلى الله عليه وسلم من غيره :" ومن ذلك أنه إذا قالت العلماء من المسلمين: كان نبينا صلى الله عليه وسلم عليما بباطن أخبار النبيين، وخفىّ قصص القرون الأوّلين، قالوا: كان أحيا الناس قلبا، وأوسعهم سربا (، وأسرعهم أخذا، يتتّبع ذلك ويحبه، وقد رواه وعلّمه، سبحان الله! أولا يعلمون أن المتعلّم معروف المعلّم، متفاوت الحالات، متنقّل الطّبقات؟ وأنه ما أحد يؤدّب صغيرا أو يطلب العلم كبيرا، إلا وله درجات فى علمه، وتارات فى أخذه، ومنازل فى تعلّمه، تارة تلميذ، وتارة مقارب، وأخرى حاذق، وبكل ذلك موصوف من أهله، معروف عند قومه، ظاهر لجيرته، مستفيض فى عشيرته، لا يجهل أمره، ولا يخفى ذكره، ولا ينسى عند مواضع الحاجة إليه، وتارات الاحتجاج به عليه، ولو كان ذلك معروفا فيهم، أو موجودا لديهم، أو ظاهرا عندهم، لما أمره الله عزّ وجل أن يحتجّ عليهم، ويقول فى ذلك لهم: لقد لبثت فيكم عمرا من قبله، لا أتلو قرآنا، ولا أدعى وحيا، أفلا تعقلون!
وأيم الله لو كانوا يعقلون أو ينظرون، لعلموا أن معلّمه على غير الملّة التى يعرفون لأنه لهم من المخالفين، وعليهم من الطاعنين، يذكر فضائح قولهم، ومعايب أمرهم، ومخازى أسلافهم، وعوائر أديانهم، وأنه لو كان معلّمه نصرانيا لدعاه إلى النّصرانية أو يهوديا لدعاه إلى اليهودية، أو مجوسيّا لدعاه إلى المجوسية، ولو لم يكن له معلّم لما وقع على الحقيقة، هداية من تلقاء نفسه، ومعرفة بقوة عقله؛ ولو كان معلّمه الشيطان لما دعاه إلى عبادة الرحمن، ولا أمره بهجر الأوثان، وكسر الأصنام، وصلة الأرحام، والإصلاح فى الأرض، كيف وكان الشيطان يصدّ الناس عن سبيله، ويزهّدهم فى دينه وينهاهم عن طاعته، ويخرجهم من عبادته، ويدخلهم فى مساخطه، ويحملهم على معاصيه؟
إنه إذن لرحيم بهم، ناظر لهم، شفيق عليهم، كأنه هو المبعوث إليهم، كلا، ما كان لينقذهم من حبائله، ويخلّصهم من مصايده، ويخرجهم من ولايته وطاعته وسلطانه وخدعه وفتنته وحزبه، إلى غير ذلك من أمره، وما كان لينهى العرب أن يقتلوا أنفسهم، ويتناوحوا حرمهم، ويؤذوا ذريتهم، ولا ليقول لهم: لم تعبدون نحيت الحجارة التى جعلها الله لكم عارا، وتذرون عبادة الربّ الذى خلقكم أطوارا! هيهات! لقد ذهبتم بالشيطان الرجيم إلى صراط العزيز الحكيم، فقلتم قولا تنكره العقول، وتدفعه القلوب، وتستوحش منه النفوس، ألا تسمعون إلى قول الله عزّ وجل: «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ» فما كان الشيطان ليرضى للعرب باللّعنة والبكم، والعمى والصّمم، فاتّق الله ولا تكن من الجاحدين"
أقول : سبحان الله كنت قلت في بعض ردودي على المنصر رأفت عماري حين زعم أن القرآن وحي من الشيطان مستدلاً بما يذكر في الغرانيق نحواً من هذا الكلام فقلت : والحجة الدامغة أن الشيطان لو تكلم بشيء يوحي به إلى الناس لمدح الأصنام أو أوهمهم أن الله عز وجل يمدح الأصنام
وأما أن يكون هناك وحي كله ثناء على الله ودعوة لتوحيده في العبادة وتنزيه له عن اللغوب والنسيان وكل النقائص وتنزيه لأنبيائه مثل سليمان وهارون عن عبادة الأصنام أو إقرارها ودعوة لترك القتال على الجاهلية والثأر الجاهلي وأمر ببر الوالدين وصلة الأرحام والعفة وترك الزنا وغض البصر ومواساة الفقراء والمساكين والصدق والأمانة والإنصاف مع الخصوم والحث على العفو عند المقدرة وتحقير لأمر الشياطين والجن وأنهم لا يعلمون الغيب المطلق وحث على البعد عن السحر والكهانة وحث على حسن العشرة بين الزوجين وعلى القناعة والإحسان للخدم والمماليك وترك الغيبة والنميمة والسخرية من الناس وغيرها من الأمور
هذا كله يستحيل أن يكون وحياً من الشيطان يرى عباد الأصنام على شرب الخمر والميسر والجاهليات وعبادة الأصنام والفخر بالأحساب والطعن في الأنساب وبعد عن أخبار الأنبياء ثم يتكلف الشيطان أن يأتيهم بوحي يقلب حالهم رأساً على عقب.
وقال أبو الربيع أيضاً :" ولعمر الله أن لو كانت الحال كما يقولون، والأمر كما يصفون، لما خفيت الصّحف له، ولا اكتتمت الدراسة عليه، ولما كان يطيق سترها عن أهله، ولا حجابها دون قومه، وكيف تؤمن القلوب، وتقرّ العقول، أن رجلا كبيرا حمل علما كثيرا، وحكما جمّاء: من آيات متشابهة، وسور متوالية، وهو صاحب أسفار مترامية (2)، وأخو حرب دائمة، لا يبطئ لفظه، ولا يسقط حفظه؛ لولا أن الله عز وجل كفاه أن يحرّك به لسانه، وضمن له جمعه وقرآنه، فقال عز وجل: «سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى» فلم يكن يسقط واوا ولا ألفا، ولا ينسى كلمة ولا حرفا، ما أبين هذا وأعجبه! وأعجب منه المنكر له!"
وكلامه هذا يشبه ما احتججت به وغيري على المنصرين في دعوى مرض النبي بالصرع
ومن لطائف احتجاجاته على أن تبشير الصحابة بالنصر ووقوع ذلك من دلائل النبوة الحتمية قوله : " أم تقولون: إنما أراد محمد صلى الله عليه وسلم ببشارته لهم، وإخباره ما أخبرهم من هزيمة الله عدوّهم، أن يشجّع جبنهم، ويقوّى ضعفهم، فكيف إذن لم يثق لما كان يرى من كثرة المشركين وقوتهم، وضعف المسلمين وقلّتهم- بظهور الأنباء على خلاف قوله، وأن يحتال؟ ؟ ؟ الخبر على غير ظنه، فيقع ظفر يكذّب نبوّته، ويقطع حجّته، ويكون له ما بعده؟ وكيف إذن لم ينسب الأمر إلى نفسه، وينحّى الخبر عن ربه"
ومن أظرف ما ورد في رسالته قوله :" وأيم الله لو يعلم من قبلك من المساكين والزراعين والفقراء والضعفاء والعملة بأيديهم، ما لهم عند أمير المؤمنين، لتحدّروا عليه، وأقبلوا إليه، : من إيوائهم، وإنزالهم الأرض الواسعة، وإمكانهم من مسايل المياه السائحة، والعدل عليهم بما لا تبلغه أنت ولا تقاربه، رفقا بهم ونظرا لهم، وإحسانا إليهم، مع تخليته إياهم وأديانهم، لا يكرههم على خلافها، ولا يجبرهم على غيرها، لاختاروا قرب أمير المؤمنين على قربك"
ولا أريد أن أطيل على القاريء الرسالة نفيسة ومليئة بحجج كثيرة في هذا الباب وهي تدل على أن الناس عرفوا الاحتجاج على المخالفين وجمع الحجج المختلفة في وقت مبكر جداً وهذا يجعلنا ننظر للرسائل المتأخرة التي كنا نظنها ابتداءات لأصحابها على أنها كانت استفادة من جهود متقدمين جهلناهم وما أكثر ما يقع هذا