كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

من نفائس ابن تيمية: علاقة نفي العلو بترك دعاء الله وعدم الشعور بلذة التضرع.

المصدر
من نفائس ابن تيمية: علاقة نفي العلو بترك دعاء الله وعدم الشعور بلذة التضرع. من أكثر الأمور التي تحيرني في شأن الذين يدعون غير الله هو أنني أقول: أين هم من لذة التضرع لله عز وجل، هل يجدون مثلها حين يقولون (يا حسين) (يا بدوي)، والأمر بدأ من علماء سوء ثم أدخلوا فيه العوام، وهؤلاء غالبهم كانوا على التجهم ونفي علو الله على خلقه. وربط ابن تيمية بين هاتين المسألتين في بيان تلبيس الجهمية، لما تحدث عن قولهم (السماء قبلة الدعاء) فعامة البشر إذا دعوا الله واتجهوا للسماء يقع في نفوسهم أنهم متجهون لله عز وجل، وأنه يراهم ويسمعهم من فوق سبحانه. ولكن المعطلة لما خربت فطرهم بفعل الفلسفة فليس عندهم لله وجه يُرى ولا صوت يُسمع، ولا يُقترب منه ولا يَقترب من عباده، غاية ما جعلوه في التوجه إليه عند الدعاء الذي هو ضرورة فطرية أنه توجه (لقبلة الدعاء) ففسد المعنى بالكلية. قال ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (4/ 526) : "وكونه صمداً مقصوداً يقتضي الدعاء المتضمن الإشارة إليه والإشارة إلى غيره بالدعاء إشراك به وإخراج له عن أن يكون أحداً، فظهر أن هؤلاء الجهمية منكرون لحقيقة كونه أحداً صمداً وأنهم جاحدون لحقيقة دعائه مسوغين للإشراك به، فإن أهل السنة هم الموحدون له والمكملون لحقيقة الإقرار بأنه الأحد الصمد وهذا ظاهر ولله الحمد، وبين هذا أن هؤلاء الجهمية ومن دخل فيهم من الملاحدة والفلاسفة والصابئين وغيرهم لا يعتقدون حقيقة الدعاء لله". إلى أن قال في (4/ 527) : "وهذا حقيقة مذهب القوم إبطال ما بعثت به الرسل من أنواع الأدعية، وإبطال ما فطر الله عليه عباده من ذلك، وهؤلاء هم أصل التجهم والتعطيل، فمن وافقهم في شيء من ذلك كان من الجاحدين لأن يكون الله هو الموجود المقصود المدعو المعبود، ولهذا تجد غالب هؤلاء النفاة لأن يكون الله فوق العرش فيهم من الانحلال عن دعاء الله ومسألته وعبادته بقدر ذلك إلا من يكون منهم جاهلاً بحقيقة مذهبهم يوافقهم بلسانه على قول لا يفهم حقيقته وفطرته على الصحة والسلامة فإنه يكون فيه إيمان ونفاق، فأما إذا استحوذ على قلبه تغيرت فطرته وهؤلاء يعرضون عن دعاء الله وعبادته مخلصين له الدين عند الاختيار ويجادلون في ذلك". ومن إعراضهم دعاءهم لغير الله والاستغاثة بهم، وكثرة جدلهم في ذلك، والعجيب أنهم ينسبون للمدعوين صفات ضعف كما يذكر الشيعة عن الحسين، تراهم يذكرون مقتله ومقتل أبنائه ثم يستغيثون به في الملمات! كما يستغيث المسلم بالقوي العزيز. ثم قال بعد صفحات في (4/558) : "ولهذا تجد هذا السلب إنما يقع كثيراً من متكلمي الجهمية الذين ليس فيهم عبادة لله ولا إنابة إليه وتوجه إليه وإن صلوا صلوا بقلوب غافلة وإن دعوه دعوه بقلوب لاهية لا تحقق قصد المعبود المدعو فإنها متى صدقت في العبادة والدعاء اضطرت إلى قصد موجود يكون بجهة منها فتنتقل حينئذ إلى حال عباد الجهمية فتجعله في كل مكان أو الوجود المطلق". أو يتوجهون إلى الأضرحة والقبور فهذه لها جهات معلومة. ثم قال الشيخ في (4/559) : "وهم في كليهما حائرون ضالون لا يعرفون الرب الذي أمروا بعبادته وكل من جرب نفسه وامتحنها من المؤمنين علم من نفسه علماً يقينياً ضرورياً يجده من نفسه كما يجد حبه وبغضه ورضاه وغضبه وفرحه وحزنه أنه متى صدق في عبادة الله ودعائه والتوجه إليه بقلبه لزم أن يقصده بجهة منه فإن كان على فطرته التي فطر عليها أو ممن هو مع ذلك مؤمن بما جاءت به الرسل قصد الجهة العالية وإن كان ممن غيرت فطرته قصد الجهات كلها وقصد كل موجود، فلهذا قال الشيخ أبو جعفر الهمذاني لأبي المعالي ما قال عارف قط يا ألله إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب الجهة العالية لا تلتفت يمنة ولا يسرة فتبين أن قوله: {إيّاك نعبد وإيّاك نستعين {5} بل وقوله: {اهدِنا الصراط المستقيم}". إيه والله هي فطرة، وإن تعرض قول من يقول (الله فوق عرشه ولا يدعى إلا هو) وقول من يقول (لا داخل العالم ولا خارجه وتدعى الأضرحة) على أي شخص معه بقايا من سلامة فطرة فإنه سيعرف فضل القول الأول على الثاني كما يعرف فضل التوحيد على الوثنية والتثليث.