=
=
ثانيًا: اشتغل كثيرون بمجال الإعجاز العلمي وكُتِبت في ذلك مادة كبيرة جدًّا لا يمكن أن يُحكَم عليها كلها بحكم واحد، غير أن الذي غُفِل عنه طغيان المزاج العلموي عند كثير من أبناء الجيل، ولذلك أسباب كثيرة من أهمها التلقين الدراسي.
بمعنى اعتقاد أن العلم التجريبي هو الطريق الوحيد للوصول للحقيقة مع إسقاط براهين الفطرة والعقل والسمع حتى المتواتر، وكثير منهم وصل به الأمر إلى التشكُّك بالحس ويزعم أن ذلك مقتضى العلم.
فنشأ عن ذلك من يريد دليلًا تجريبيًّا على كل شيء حتى مما لا يدخله التجريب أصلًا، ويتشكك بالحقائق الشرعية إن لم تُدعم بهذا، أو يزعم أن إيماننا بالدين إيمان بلا دليل، ونشأ عن ذلك ضعف في فهم البراهين العقلية في إثبات الأصول الكبرى وضعف في فهم مواطن الإعجاز القرآني (كما أن المبالغين في الإعجاز البلاغي أصابهم شيء من هذا الحرمان بل يجردون بلاغة القرآن عن المعاني العالية التي في القرآن ويعاملونها على طريقة تعامل الأدباء مع النص الشعري مهما كان المعنى خسيسًا في غايته يعظمون التعبير عنه بألفاظ ومبانٍ فخمة فحسب).
ولو أننا شرحنا منذ البداية الفرق بين البحث التجريبي والفلسفة المادية وكشفنا الخلط في ذلك وبيَّنَّا تناقض الفلسفة المادية بصورتها العلموية حيث تبنى على العقل والحس ثم تنكر حجيتهما في تقرير أمور غيرها! لارتحنا من كثير من الجدل والأسئلة السخيفة.
ثالثًا: عند الحديث عن عدل الشريعة الإسلامية ومظاهرها عبر التاريخ وما جرَّت على الأمة من خيرات والكلام عن الأئمة العادلين، وهذا باب أجاد فيه كثيرون..
نكتشف أن الكثير من الناس يظنون أن وجود شريعة يعني مجتمعًا مثاليًّا وفردوسًا أرضيًّا كاملًا، وعزَّز هذه النظرة عندهم أنهم نشأوا في دولة حديثة مؤسساتية، هذه الدولة تُحاصِر الفرد من خلال مؤسساتها بحجة التنظيم وتُضعِف خياراته جدًّا في التأثير المستقل على حياته، وأُوهِم أبناء الجيل ككل أن صلاح المؤسسات يعني صلاح الدنيا لأن خيارات الأفراد ليست بشيء، وجُعِلت الديمقراطية للتنفيس واختيار المؤسسة التي ستحكم أو ستدير المؤسسات.
وهذه كلها فكرة غير قابلة للتطبيق بنجاح بالصورة التي في أذهانهم.
فتصوَّر كثير من المسلمين أن وجود إمام عادل يعني ذهاب كل شر في هذه الدنيا وأن الأفراد يصيرون صلحاء قسرًا ولا مجال عندهم لأي انحراف سلوكي عامًّا كان أو خاصًّا، وهذه الصورة أقرب ما تكون لصورة دولة المهدي في أدبيات الإمامية الروافض، فنشأ عن ذلك نظرة محتقنة تجاه دول الإسلام التي دخلها من النقص ما دخلها غير دولة الراشدين، وحتى دولة الراشدين كثير منهم ينال من عثمان بعض النيل.
وترتب على ذلك السلبية بحجة فساد السلطة، فتجد المرء لا يُصلِح بالقدر الذي يستطيعه ولا يواسي مسكينًا ولا فقيرًا ولا يحارب فسادًا يمكنه محاربته بانتظار المؤسسة التي تحقق له كل هذا، فصار حالهم كمثل الطفل الذي يأبى تعلم المشي خوفًا من السقوط وينتظر من الكبار أن يحملوه دائمًا، وتولَّد عن ذلك حالةٌ مفرطةٌ من الإحباط عند كثيرين وتعظيمٌ للنموذج الغربي بحجة أنه النموذج المثالي المنشود، وكلما حدثهم أحد عن بلايا الغرب تضايقوا لأن هذا هو الحلم في الفردوس الأرضي فكيف تشوِّهه لنا.
وحال السلبية والإحباط أمر خطير جدًّا وأفقدنا الكثير من الجهود العظيمة.
ولو أننا عالجنا الأمر من البداية فنبهنا على خيالية الفردوس الأرضي وعلى أن المرء له أثر في إحقاق العدل في الأرض بحسبه وأن الغاية هي الآخرة وأن المرء يتعبد لله على كل حال حال الضعف وحال القوة وأن القوة المادية ليست كل شيء ولا تتلازم مع سلامة العقيدة ورقي القيم والنجاة في الآخرة وأن كل خير في هذه الدنيا لا ينتهي بك إلى الله فهو شر؛ لارتحنا من كثير من الجدل.
=