كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

ليتني تمنيت المغفرة!

المصدر
ليتني تمنيت المغفرة! علي بن عيسى بن داود بن الجراح الوزير العباسي المتوفى عام 334 كان رجلًا صالحًا صاحب علم ورواية ومؤلفات وعدل في ولايته مع عبادة وزهد. وكان غنيًّا شاكرًا فلما ابتُلِي كان فقيرًا صابرًا. قال الصولي: "لا أعلم أنه وزر لبني العباس مثله في عفته وزهده وحفظه للقرآن، وعلمه بمعانيه، وكان يصوم نهاره، ويقوم ليله، وما رأيت أعرف بالشعر منه، وكان يجلس للمظالم، وينصف الناس، ولم يروا أعف بطنا ولسانا وفرجا منه. وقال الخطيب: كان صدوقا دينا فاضلا عفيفا في ولايته، محمودا في وزارته، كان كثير البر والمعروف وقراءة القرآن والصلاة والصيام، يحب أهل العلم، ويكثر مجالستهم ومذاكرتهم، ولم يزل من حداثته معروفا بالستر والصيانة والصلاح والديانة". أقول: له قصة عجيبة ذكروا فيها كرامة له، وفيها لفتة لطيفة. قال الذهبي في تاريخ الإسلام: "حكى أبو سهل بن زياد القطان أنه كان معه لما نفي إلى مكة. وقال: فطاف يوما، وجاء فرمي بنفسه وقال: أشتهي على الله شربة ماء مثلوج. فنشأت بعد ساعة سحابة ورعدت، وجاء برد كثير، وجمع الغلمان منه جرارا، وكان الوزير صائما، فلما كان الإفطار جاءته أقداح مملوءة من أصناف الأسوقة فأقبل يسقي المجاورين، ثم شرب وحمد الله، وقال: ليتني تمنيت المغفرة". هنا الوزير اشتهى على الله شربة ماء بارد بثلج فجاء المطر ومعه برد فشرب هذا الماء الذي اشتهاه واستيقن أن دعوته استُجيبت، فما كان منه؟ قال: ليتني تمنيت المغفرة. يعني ما دامت لي دعوة مستجابة فليتني جعلتها في أمر الآخرة لا في شهوة من شهوات الدنيا، وكم من واحد منا يدعو فيُستجاب له ولا يفطن لهذا المعنى. بل ربما دعا بالمغفرة فغفر الله له ودعا بشيء من أمر الدنيا فتأخر عنه فقال في نفسه: لِم لا يُستجاب دعائي، وقد استُجيب دعاؤه في أعظم الأمور وتأخَّر في أمر هين ربما في تأخيره خير.