قال ابن تيمية كما في جامع المسائل المجموعة التاسعة وهو يتكلم عن أهل الكلام وسبب
قال ابن تيمية كما في جامع المسائل المجموعة التاسعة وهو يتكلم عن أهل الكلام وسبب انحرافهم :" وأما الدلائل، فإنهم كثيرًا ما يستدلُّون ويحتجُّون على الحقِّ الذي جاء به الكتابُ والسُّنَّة بحججٍ مُحْدَثةٍ باطلة، ثم تلك تُوقِعُهم في البدع المخالفة للكتاب والسُّنَّة، بمنزلة الذي يجاهد الكفَّار بقتالٍ محرَّم في الشريعة، فيزيل باطلًا بباطل"
وقال أيضاً في عين الفتيا :" وذلك أن أهل الكلام من أهل قبلتنا يأخذون كثيرًا في الردِّ على من خالف المسلمين من المشركين والمجرمين واليهود والنصارى، ويأخذ كثيرٌ منهم في الردِّ على من خالف السُّنَّة في بعض المواضع، وإن كان الرادُّ قد يخالفُ هو السُّنَّة في موضعٍ آخر
فيريدون أن يثبتوا وحدانية الصَّانع وكماله، ويثبتون نبوَّة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويسمُّون هذه المطالب «العقليات»؛ لاعتقادهم أنها لا تثبتُ إلا بالعقل الذي ادَّعوه وكانوا مختلفين في طرقه!
وقد يعتقدون أن الكتابَ والسُّنَّة لم تبيِّن أدلة هذه المطالب الشريفة! والقرآن مملوءٌ منها"
أقول : خلاصة تحليل الشيخ لانحراف القوم هو أنهم حين جاءوا يردون على غير المسلمين وعلى المنحرفين من المنتسبين للملة بطريقة بعيدة عن الكتاب والسنة وما فيهما من البراهين العقلية أو ما قيس على ما فيهما من البراهين ، انتهجوا نهجاً يكون في الغالب مأخوذاً من ثقافات أخرى ويكون فيه حق وباطل وأثناء تقريراتهم في نصرة الإسلام يلتزمون بعض المعاني الباطلة بسبب هذه الطريقة المنحرفة في الاستدلال فإذا رجعوا إلى نصوص الإسلام ووجدوا فيها ما يخالف تلك المعاني الباطلة التي التزموها في جدلهم البدعي أنكروا هذه النصوص أو سعوا إلى تحريفها عن ظاهرها وسفهوا أحلام علماء الأمة الذين قالوا بها واتهموهم بالجهل والحشوية والسطحية ، والواقع أنه كان يمكن نصرة الإسلام بطرق مستقيمة ولا نتسلط بالإنكار على عدد من ثوابته
هذا الذي حصل مع المتكلمين يحصل كثيراً اليوم في ظل الثقافة الجديدة وسأضرب بعض الأمثلة للتقريب المعنى مما هو منتشر جداُ في مجال الجدل الديني
المثال الأول : الاستدلال على صحة الإسلام بأنه كفل الحرية الدينية وأن اليهود والنصارى والمجوس ارتاحوا في ظل الحكم الإسلامي ووجدوا فيه من الحرية ما لم يجدوا في حكم بعضهم بعضاً وأن النصارى لما انتصروا على المسلمين في الأندلس أبادوا بيضاءهم وما تركوا منهم أحداً بخلاف صنيع المسلمين ويؤتى بنصوص مستشرقين في هذا السياق وفي الثناء على الحضارة الإسلامية وما فيها من تسامح
ويأتي من يستدل بهذا المعنى بنصوص من المتشابه يفهمها في تأييد التسامح مطلقاً ، ثم بعد ذلك إذا نظر في الشريعة ووجد ما ينافي هذا المعنى مثل ( حد الردة ) فإما أن ينكره أو يقيده بتقييدات غريبة أو يعلله بتعليلات ضعيفة لا تأتي على الحكمة من أصلها بل ربما تهدم أكثر مما تبني وذلك أنه التزم التسامح المطلق في استدلاله على صحة على الإسلام
والمخرج من هذا أن يقال الدين لا يكون ديناً إذا لم يعتبر نفسه القيمة الأعظم التي ينعقد عليها الولاء والبراء وتتعلق بها العقوبات فإذا كان الدين هو الأساس الذي سيحدد عليه مصيرنا في الآخرة وهو من يجيب أسئلتنا الوجودية فكيف يستغرب من تعلق عقوبات عظيمة به؟
وقد دلت الأدلة الشرعية على أن البشر ليسوا مجرد أفكار بل هم أهواء وشهوات أيضاً والعقوبات الرادعة تكون رحمة لأنها تقتل داعي الشهوة والهوى بوضع مقابل أمامه
وأما الاستدلال المذكور فيمكن أن يوضع في سياق صحيح كما فعل الطوفي في الانتصارات الإسلامية حيث ذكر أن من دلائل كون النبي صلى الله عليه وسلم ليس ملكاً أبل هو نبي أن الملوك يفنون مخالفيهم ومن فيهم خطورة عليهم وأما النبي صلى الله عليه وسلم فأمر باستبقاء اليهود والنصارى مع خطورتهم ومعرفتهم بالكتاب وكثرة تشكيكاتهم وهذه عزة الواثق ولأن الشريعة جاءت لهداية الناس للإيمان فأبقي عليهم رجاء أن يهتدي منهم من يهتدي فالأمر كله تفضل من الأساس وليس ضرورة عدلية فيكون حال هؤلاء كحال من أصاب حداً ولكنه دريء عنه بالشبهة أو عفا عنه الولي في قتل العمد هذا تفضل وأما المرتد فيكون بمنزلة من استحكمت عليه الشهادة والبينات فلا يدرأ عنه الحد بحال أو كمن قتل شخصاً حرابة أو قتل شخصاً غيلة ( غدراً ) أو قتل شخصاً قتلاً جنائياً وما عفا الولي وهذه أمثلة للتقريب والمثال يقرب من وجه ويبعد من آخر أحياناً
فمفهوم التسامح المطلق ليس مفهوماً إسلامياً واعتبار الدين قيمة محايدة أو فيمة لا يستحق صاحبها بها الذم إن ضل ليس مفهوماً إسلامياً
والإفراط في الخطاب ( الإعذاري ) ليس مقدمة لهذه المفاهيم بل هو نتيجة لها للأسف ومن استدل على صحة الإسلام بتلك الطريقة من الاستدلال هو سلم للقيم الحديثة كتسليم المتكلمين لعدد من المفاهيم الفلسفية الدخيلة
مثال آخر : الاستدلال على فضل الإسلام بأنه بنى حضارة دنيوية ثم تعديد عدة أسماء ممن لهم إنجازات في مجالات العلوم التجريبية من المنتسبين لملة الإسلام
ثم يأتي بعد ذلك الملحد ويقول فلان من هؤلاء كفروه وفلان من هؤلاء لم يكن سنياً وهكذا
وهذا الاستدلال ناشيء عن الخطاب المدني ومركزية الإنجاز الدنيوي في تقويم الأفراد والحضارات وهامشية نشر اللعقيدة الصحيحة والعبادة الصحيحة ومجرد صحة دين الإسلام أو الإيمان به يقتضي فساد هذه النظرة وأن المؤثر في أمر الآخرة وهو الاعتقاد الصحيح والعمل الصالح هو أهم ما ينشر
ويمكن بعد ذلك أن نجد وجهاً صحيحاً لهذا الاستدلال بأن نلزم المخالف التناقض ونقول له أن هؤلاء ليسوا على عقيدتك أيضاً وهم منتسبون للملة وكانوا في رعاية نظام الخلافة الذي تذمه وأن كثيراً منهم أيضاً ما تكلم فيه أحد بشيء علماً أن الناس لم يكن عندهم مشكلة مع الإنجاز التجريبي وإنما مشكلتهم مع الاعتقادات الفلسفية المنحرفة والتي لا يكاد يقول بها كبير أحد اليوم
ومشكلة هذا الاستدلال والذي قبله وحتى ما يتعلق بالكلام على الانجازات العسكرية والسياسية طوال فترة الخلافة الإسلامية هو أننا صرنا نقيم أنفسنا من خلال منظور المستشرقين ( المنصفين ) ! والذين في الغالب الفكر المادي يأخذ من عقولهم جزءاً كبيراً
مثال آخر : عند المقارنة بين عقيدتين منتسبتين للإسلام يرجح إحداهما على الأخرى بأنها الأبعد عن التكفير أو أن العالم الفلاني من رموز هذه الطريقة كان متسامحاً مع خصومه على خلاف صنيعهم معه
حتى إذا تشبع الإنسان بهذا المعنى في سياق التسامح المطلق ووجد مواقف لبعض الأئمة على النقيض من هذا أو جاءه شخص يحمل خطاباً إنسانوياً مفرطاً ويدعي التسامح المطلق (وهذا خيال ) يحصل له تزعزع لأن الاستدلال السابق لم يكن منضبطاً
وفي الواقع أن التكفير حكم شرعي لا يترك ألعوبة بأيدي الجهلة ولا يغلق بابه عمن لا يستحقه ولا أعرف عالماً معتبراً التزم أن يعامل المبطلين بمثل ما يعاملوه حرفياً لأن الأمر دين وليس شخصياً ، من الممكن أن نتحدث عن عفو بعض الأئمة عن خصومهم من باب التفضل لا أنه ضرورة عدلية أو مرجح تام بل المرجعية للأدلة وقد يكون لصاحب الحق من اليقين والحرص على الناس ما يحمله على أن يشتد عليهم لمصلحتهم ألا ترانا لا نبتديء اليهود والنصارى بالسلام ولو ابتدأونا ( وإن كان هذا الحكم مما تضيق به الصدور جداً بسبب هذه النظرة ) ولو جاءنا رجل مبتدع واخترع الكثير من البدع ثم قال أنا لا أبدعكم وأرى قولكم اجتهاداً سائغاً ما جاز لنا أن نقول له هذا لأنه مبتدع فعلاً والأمر نفسه مع الكافر
بل بالعكس الخارجي الذي يكفر عصاة المسلمين كثير من العلماء لا يكفره والذمي الذي يحسن للمسلمين لا يختلف الناس في كفره لأن المركزية للتوحيد والموقف من العقائد الأصلية لا من البشر
وقد رأيت بعض من يذب عن بعض أفاضل العلماء فيذكر له اختيارات تعجب النساء ، ومثل هذا المسلك يبني من جانب ويهدم من آخر لأنه يوجب الحنق على العلماء الآخرين أو اتهامهم ولو من طرف بعيد بضيق العطن والتزمت والناس لا يفرقون بين العدل والفضل بل حتى لا يفرقون إلا بجهد من الكاتب بين المسلك التقريري والمسلك الإلزامي
ومثال أخير وهو مثال من يتوسع في الاستدلال على صحة الإسلام بنظريات علمية ظنية يسقطها على بعض النصوص ثم يلتزم قبول جميع النظريات حتى ما كانت مبنية على أساس مادي فلسفي يناقض الدين في أصله
جميع هؤلاء وغيرهم يكررون ( خيبة المتكلمين ) ولو تم إصلاح هذا النوع من الخطاب فإننا سنرتاح من كثير من الإشكالات
قال البخاري في صحيحه 6467 - حدثنا علي بن عبد الله حدثنا محمد بن الزبرقان حدثنا موسى بن عقبة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لا يدخل أحدا الجنة عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة.
وثبت هذا الحديث عن أبي هريرة في الصحيحين
هذا الحديث أشكل على البعض لقوله تعالى : ( وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)
وأجاب العلماء بجواب مشهور وهو أن الباء في الحديث باء الثمنية أي أن العمل لا يكفي لوحده ولا يكافيء ثواب الله ونعمه ، والباء في الآية باء السببية أي أن العمل سبب ولكنه ليس علة تامة يلزم من وجودها وجود المعلول بل هو علة ناقصة لا بد من أسباب أخرى معه وهذا لا ينفي كونه سبباً مؤثرا وأصل القدرة مخلوقة لله
ويعبَّر عن المعنى السابق بكلام أعمق ألا وهو أن رحمة الله عز وجل أعظم من فعل العبد فما عمل لك تعمله إلا ولله عز وجل فيه من آثار الرحمة ما يغطيك أنت وعملك
خذ مثالاً أن الحسنة بعشر أمثالها والسيئة لا تجزى إلا مثلها وأن دائرة المباحات أوسع من دائرة المحرمات وأن المصائب كفارات وليست فقط عبرة
في هذه الثلاثة فقط يظهر الفضل العظيم فلو شاء الله لجعل السيئة مثل الحسنة فحسب ولجعل دائرة المباحات مثل دائرة المحرمات في العدد والكيف ولو شاء لجعل المصائب عبرة وليس كفارات
وأيضاً لو شاء لَما جعل الصلوات في الأجر خمسين وهي في العدد خمسا ، ولو شاء لَما جعل الإسلام يجبُّ ما قبله ولأوجب على الكافر واجبات تتعلق بتكفير ما كان منه في أيام الكفر وغير ذلك من مظاهر الرحمة والفضل
ولكن لِمن طلب الرحمة لا لِمن أعرض فهناك رحمة عامة تشمل الجميع وهناك رحمة خاصة لا ينالها مَن أعرض فهي بمنزلة مطر نزل مِن السماء فأصاب كل الناس وآثر بعضهم الهروب منه والتنزُّه عنه كذا هي رحمة الله عز وجل
ومصداق ما سبق كله حديث ( من تقرَّب إلي شبراً تقرَّبتُ إليه ذراعاً ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ) ، وحق الله عز وجل أعظم حق والكفر به أعظم الكفر ويتناسب تماماً أن يكون الكفر بالكمال لا المتناهي له عقوبة لا متناهية وحتى هذه العقوبة فيها مشهدٌ للرحمة فإنَّ خوف الناس منها يعينهم على شهواتهم وشياطينهم ويصبرهم حتى ينالوا الجنان
ولكن السؤال هنا حديث البخاري المشار إليه هل عليه إشارة من القرآن الكريم ؟
أقرب شيء لما ورد في هذا الحديث في ظني قوله تعالى : ( يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)
( يُدخل من يشاء في رحمته ) معناها قريب جداً من قوله : ( إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة) فهو لم يقل من شاء دخل في الرحمة بل جعل الفعل له ( يُدخل من يشاء في رحمته ) وذلك للحكمة المشار إليها آنفاً أن رحمة الله تفيض عليك وعلى عملك فتغطيهما ثم ذكر الظالمين المعرضين عن هذه الرحمة المتنزهين عن التعرض لها
ومن تأمل الآية وجد فيها رداً على القدرية الذين يقولون أن العباد يخلقون أفعالهم بمعنى أنهم العلة التامة المؤثرة فيها ، وليس لله عز وجل أي تأثير في ذلك ولو فهموا أمر العدل والفضل لما التجأوا إلى مثل هذه البدعة ، وفيه أيضاً الرد على الجبرية عند ذكر الظالمين ونسبة الفعل لهم
ومن دلائل ربانية هذا الدين وأنه من الله عز وجل أنه ليس فيه رفع لمقام النبي ﷺ إلى الألوهية ولا أي أحد من الصالحين وفيه التنزيه الكامل لله عز وجل مع جعل المحامد كلها له بحيث تتعلق به القلوب تعلُّقاً كلياً بخلاف كل الوثنيات حتى المنتسبة للإسلام وهذا ما يقتضيه العقل في كمال الخالق ونقص المخلوق.