جاء في منار السبيل من كتب الحنابلة :" "وإذا ترك البغاة القتال حرم قتلهم، وقتل مد
جاء في منار السبيل من كتب الحنابلة :" "وإذا ترك البغاة القتال حرم قتلهم، وقتل مدبرهم وجريحهم" لقول مروان: "صرخ صارخ لعلي يوم الجمل: لا يقتلن مدبر، ولا يذفف على جريح، ولا يهتك ستر، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن" رواه سعيد. وعن عمار نحوه. وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "يا ابن أم عبد: ما حكم من بغى على أمتي؟ " فقلت: الله ورسوله أعلم. فقال: "لا يقتل مدبرهم، ولا يجاز على جريحهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يقسم فيئهم" 2 وعن أبي أمامة قال: شهدت صفين، فكانوا لا يجيزون على جريح، ولا يطلبون موليا، ولا يسلبون قتيلا ولأن المقصود دفعهم فإذا حصل لم يجز قتلهم كالصائل.
"ولا يغنم مالهم، ولا تسبى ذراريهم" لا نعلم في ذلك خلافا بين أهل العلم، لأن مالهم مال معصوم، وذريتهم معصومون لا قتال منهم ولا بغي.
"وبجب رد ذلك إليهم" لأن أموالهم كأموال غيرهم من المسلمين، وإنما أبيح قتالهم للرد إلى الطاعة. وعن علي أنه قال يوم الجمل: من عرف شيئا من ماله مع أحد فليأخذه، فعرف بعضهم قدرا مع أصحاب علي وهو يطبخ فيها، فسأله إمهاله حتى ينطبخ الطبيخ فأبى، وكبه وأخذها.
"ولا يضمن البغاة ما أتلفوه حال الحرب" كما لا يضمن أهل العدل ما أتلفوه للبغاة حال الحرب لأن عليا لم يضمن البغاة ما أتلفوه حال الحرب من نفس ومال وقال الزهري: هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، متوافرون وفيهم البدريون، فأجمعوا أنه لا يقاد أحد، ولا يؤخذ مال على تأويل القرآن إلا ما وجد بعينه ذكره أحمد في رواية الأثرم محتجا به. وإن استولوا على بلد فأقاموا الحدود، وأخذوا الزكاة والخراج والجزية احتسب به لأن عليا، رضي الله عنه، لم يتبع ما فعله أهل البصرة، ولم يطالبهم ب شيء مما جباه البغاة ولأن ابن عمر، وسلمة بن الأكوع يأتيهم ساعي نجدة الحروري فيدفعون إليه زكاتهم ولأن في ترك الاحتساب بذلك ضررا عظيما على الرعايا.
"وهم في شهادتهم، وإمضاء حكم حاكمهم كأهل العدل" لأن التأويل السائغ في الشرع لا يفسق به الذاهب إليه أشبه المخطئ من الفقهاء في فرع، فيقضى بشهادة عدولهم، ولا ينقض حكم حاكمهم إلا ما خالف نص كتاب أو سنة أو إجماعا. وإن أظهر قوم رأي الخوارج: كتكفير مرتكب الكبيرة، وسب الصحابة، ولم يخرجوا عن قبضة الإمام: لم يتعرض لهم، لأن عليا سمع رجلا يقول: لا حكم إلا الله - تعريضا بالرد عليه في التحكيم - فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل، ثم قال: لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا، ولا نبدؤكم بقتال وإن عرضوا بسبب الإمام أو غيره من أهل العدل: عزروا كيلا يصرحوا، ويخرقوا الهيبة. والوجه الثاني: لا يعزرون، لما روي أن عليا كان في صلاة الفجر، فناداه رجل من الخوارج { ... لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} 1 فأجابه علي، رضي الله عنه: { ... فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} ولم يعزره.
ومن كفر أهل الحق والصحابة، واستحل دماء المسلمين بتأويل: فهم خوارج فسقة، لأن عليا قال في الحرورية لا تبدؤوهم بقتال وأجراهم مجرى البغاة، وكذلك عمر بن عبد العزيز" والكلام عن عدم قتال الخوارج ما لم يبدأوا القتال موجود في الأم للشافعي أيضاً وقال ابن قدامة في المغني :" فَمَنْ خَرَجَ عَلَى مَنْ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ بِأَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ بَاغِيًا، وَجَبَ قِتَالُهُ، وَلَا يَجُوزُ قِتَالُهُمْ حَتَّى يَبْعَثَ إلَيْهِمْ مَنْ يَسْأَلُهُمْ، وَيَكْشِفُ لَهُمْ الصَّوَابَ، إلَّا أَنْ يَخَافَ كَلَبَهُمْ؛ فَلَا يُمْكِنَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمْ.
فَأَمَّا إنْ أَمْكَنَ تَعْرِيفُهُمْ، عَرَّفَهُمْ ذَلِكَ، وَأَزَالَ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ الْمَظَالِمِ، وَأَزَالَ حُجَجَهُمْ، فَإِنْ لَجُّوا، قَاتَلَهُمْ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَأَ بِالْأَمْرِ بِالْإِصْلَاحِ قَبْلَ الْقِتَالِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 9] . وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَاسَلَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ الْجَمَلِ، ثُمَّ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ لَا يَبْدَءُوهُمْ بِالْقِتَالِ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ هَذَا يَوْمٌ مَنْ فَلَجَ فِيهِ فَلَجَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ثُمَّ سَمِعَهُمْ يَقُولُونَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، يَا ثَارَاتِ عُثْمَانَ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَكِبَّ قَتَلَةَ عُثْمَانَ لِوَجْهِهِمْ.
وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِي، أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا اعْتَزَلَتْهُ الْحَرُورِيَّةُ، بَعَثَ إلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ" وذكر الخبر
وتابع ابن قدامة البهوتي والحجاوي ، غير أنه لم يقيد بما قيدوا ( إلا أن يخشى كلبهم ) يعني عاديتهم
=
=
وقد وافق ابن قدامة ابن تيمية أيضاً ونقله عن الفقهاء فقال كما في مجموع الفتاوى :" وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ فِي الْبُغَاةِ إنَّ الْإِمَامَ يُرَاسِلُهُمْ فَإِنْ ذَكَرُوا شُبْهَةً بَيَّنَهَا وَإِنْ ذَكَرُوا مَظْلِمَةً أَزَالَهَا كَمَا أَرْسَلَ عَلِيٌّ ابْنَ عَبَّاسٍ إلَى الْخَوَارِجِ فَنَاظَرَهُمْ حَتَّى رَجَعَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَكَمَا طَلَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ دُعَاةَ الْقَدَرِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ فَنَاظَرَهُمْ حَتَّى ظَهَرَ لَهُمْ الْحَقُّ وَأَقَرُّوا بِهِ"
قال أبو الحسن المدائني في كتابه التعازي والمراثي 6- قال جويرية بن أسماء، عن عمه:
إن إخوةً ثلاثةً من بني قطيعة يوم تستر، فاستشهدوا؛ فخرجت أمهم يوماً إلى السوق لبعض شأنها، فتلقاها رجلٌ قد حضر أمر تستر، فعرفته، فسألته عن أمور بنيها، فقال: استشهدوا. فقالت: مقبلين أم مدبرين ؟قال: بل مقبلين. قالت: الحمد لله، نالوا الفوز، وحاطوا الذمار؛ بنفسي هم وأبي وأمي.