ما أكثر فقه أهل الحديث...
ما أكثر فقه أهل الحديث...
قال ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة: "أخبرني محمد بن أحمد الطرسوسي قَالَ: سمعت مُحَمَّد بْن يَزِيدَ المستملي يقول سأل رجل أَحْمَد بن حنبل فقال: أكتب كتب الرأي قَالَ: لا تفعل عليك بالآثار والحديث فقال: له السائل إن عَبْد اللَّهِ بْن المبارك قد كتبها فقال: له أَحْمَد ابن المبارك لم ينزل من السماء إنما أمرنا أن نأخذ العلم من فوق.
قَالَ وسألت أَحْمَد عن عبد الرزاق كان له فقه فقال: ما أقل الفقه فِي أصحاب الحديث"
كلمة أحمد الأخيرة (ما أقل الفقه في أصحاب الحديث) من أكثر آثار الإمام أحمد تداولاً في زماننا.
والأشياء تنتشر عن الأئمة لا بحسب شهرتها عن هؤلاء الأئمة في كتب المتقدمين بل بحسب اجتهاد أهل عصرنا في نشرها، فكم من رأي أو أثر اشتهر عن أحمد وربما تواتر ولا يكاد يعرفه عامة الناس بل ربما يشنعون على من يتكلم بمضمونه.
ولو تأملت في الأثرين اللذين رواهما المستملي عن أحمد يبدو لك وكأن فيهما تعارضاً ظاهرياً.
ففي الأثر الثاني يقول (ما أقل الفقه في أصحاب الحديث) وفي الأول ينهى عن كتابة الرأي، ويقول اكتب الأحاديث والآثار، فكأنه يقول لك ابقَ قليل الفقه بمجموع الأثرين.
فلا بد من توجيه للأمر، ولعل مما لا يحوجنا لكبير توجيه أن المستملي (الراوي عن أحمد) متهم بالكذب أصلاً!
جاء في لسان الميزان: "7560 - محمد بن يزيد المستملي أبو بكر الطرسوسي، لا النيسابوري.
قال ابن عَدِي: يسرق الحديث ويزيد فيه ويضع.
حدثنا ابن عنبسة حَدَّثَنا محمد بن يزيد المستملي حَدَّثَنا يزيد بن هارون أخبرنا فائد بن عبد الرحمن أبو ورقاء قال: قال عبد الله بن أبي أوفي رضي الله عنهما: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا وقال: الأذنان من الرأس. [ص:587]
قال ابن عَدِي: هذا باطل بهذا الإسناد ثم سرد له أحاديث منكرة السند.
وفي تاريخ الخطيب له عن سليمان بن قيس، عَن أبي المعلى بن مهاجر عن أبان، عَن أَنس رضي الله عنه مرفوعا: يأتي بعدي رجل اسمه النعمان بن ثابت ليحيين دين الله على يديه. انتهى.
وقال ابن حبان لما ذكره في الثقات: ربما أخطأ.
وقال ابن عَدِي: له غير ما ذكرت مما سرقه من الثقات.
قلت: والحديث الذي من تاريخ الخطيب: قال الخطيب فيه: حدثنا أحمد بن عمر بن روح بالنهروان حَدَّثَنا أبو بكر محمد بن إسحاق القطيعي حَدَّثَنا أبو أحمد محمد بن حامد بن محمد بن إبراهيم السلمي قدم علينا حَدَّثَنا محمد بن يزيد بن عبد الله السلمي حَدَّثَنا سليمان بن قيس به.
قال الخطيب: هذا خبر باطل، ومُحمد بن يزيد متروك وسليمان وشيخه مجهولان"
قال الآجُريُّ: سألتُ أبا داود عن محمد بن يزيد المستملي الذي كان بطرسوس؟ قال: حَدَّث عن محمد بن خالد الحمصي، ولم يفهم موته، فكتبوا إلى عَمرو بن عثمان. فقال: مات قبل بقية. قال أبو داود: قال لي بندار حيث سمع مني حديث سُفيان: أتهمه، كان يكتب سُفيان سُفيان، وأسقط الشيوخ. "
أقول: هنا أبو داود يتهمه أنه يدّعي السماع من شيوخ ماتوا قبل ولادته. والحق أن كلمة أحمد المذكورة فيها غرابة عن أحمد وهو صاحب الكلمة المشهورة (ضعيف الحديث خير من رأي أبي حنيفة) فكيف يقول بعدها (ما أقل الفقه في أصحاب الحديث) إلا أن يريد درجة معينة من الفقه توفرت في علية أئمة أهل الحديث، وأحمد هنا يعني بأصحاب الحديث فئة منهم وليس مجموعهم.
وكان أحمد يثني على فقه يحيى بن سعيد القطان ووكيع والشافعي وعبد الرحمن بن مهدي، وهؤلاء كلهم أصحاب حديث من طبقة عبد الرزاق، ومن فقهاء هذه الطبقة وشيوخ أحمد يحيى بن آدم.
هذه الكلمة المنسوبة لأحمد يتداولها فريقان؛
الفريق الأول: بعض المتمذهبين الذين يريدون إيصال فكرة أن كتب الحديث لا ينتفع بها، ولا يؤخذ منها فقه، وإنما الفقه يؤخذ من الكتب المذهبية فحسب.
وهذا غلط، فهم يتكلمون وكأن كتب الحديث مجرد سرد حديثي، وليس الأمر كذلك فالكتب الستة في عامتها تبويبات يستنبط فيها الإمام فوائد الحديث ويبين لك الناسخ والمنسوخ والعام والخاص.
فمن ينكر فقه البخاري، وهذا النسائي كان قاضياً وله تبويبات عجيبة، وأما ابن ماجه فهذا قال عنه ابن كثير أنه قوي التبويب في الفقه.
وأما أبو داود والترمذي فهذان كتابيهما على التمام، فأبو داود ينبه على ما عليه العمل وما ليس عليه العمل ويشير لآثار الصحابة ويبين المنكرات.
وأما الترمذي فهو أوسع في ذلك، ويسمي الفقهاء القائلين بالحديث الذي يذكره فقيهاً فقيهاً، وإن كان الحديث ضعيفاً، وينبه على آثار الصحابة.
وفي صحيح ابن خزيمة فقه كثير، وكذلك صحيح تلميذه ابن حبان على أخطاء عقدية فيه، وهذا الموطأ كتاب فقه وكتاب حديث في آن واحد، فلو أن المرء درس مختصراً فقهياً ثم أدمن النظر في هذه الكتب لاجتمع له خير كبير في زمن يسير، ونصب العداء بين الكتب الفقهية وهذه الكتب الحديثية النافعة ضيق عطن وقلة عقل، هذا غير تصانيف أبي عبيد القاسم وابن المنذر والطبري ومحمد بن نصر.
=
الفريق الثاني: فئة تمارس (عقيدة الصدمة) على السلفية المعاصرة، وهي طائفة ليست مذهبية بل لها اختيارات تخالف مشهور المذاهب الفقهية بل ربما تخالف الإجماع. ولكنهم يحاولون إيهام الشباب (أرأيتم أحمد ابن حنبل يذم أهل الحديث ماذا لو قالها متكلم لاتهتموه بالزندقة)!
هذا مع اجتهادهم في تضعيف الآثار التي لا تعجبهم، فأثر أحمد في إغماض عينيه إذا رأى نصرانياً ضعّفه بعضهم، ثم دعا إلى حذفه من كتب التراث.
وحتى لو صح، الأثر فإن العالم إذا صدرت منه كلمة مشتبهة فإنه ينظر لها في ضوء سيرته العامة، فإذا كان الرجل من أهل الحديث وأنفق عمره في الحديث وكان ينهى عن كتابة حديث أهل الرأي فضلاً عن رأيهم واشتهر عنه الدلالة على فقهاء أهل الحديث، فإن هذه الكلمة لا تحمل على ظاهرها الذي يظنه من يقرؤها للوهلة الأولى، ومعلوم تصرف الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث في آثار رويت عن بعض الأئمة في التنفير من كتابة الحديث مع اشتهارهم بطلبه وحثهم عليه وبذلهم له للناس. فحمل تلك الآثار على كتابة الغرائب أو من يشتغل بكتابته عن العمل به (ولا يوجد من يعمل بكل الأحاديث إلا نادراً ولكن المقصود المسرف على نفسه)
وهذا سلوك كثيراً ما يمارسه بعض الباحثين، أن يأتيك بكلمة لعالم قيلت في سياق معين إلزامي أو تنزّلي أو سياق خاص ثم يضع هذه الكلمة للعامة والمبتدئين، ويكون هؤلاء العامة متشبعين بفكرة مغلوطة وهذا النقل يغذيها عندهم.
وإذا كلمته في هذا قال لك: إنما أردت الإفادة المتخصصة!
والواقع أنه أحدث إيهاماً شديداً، خصوصاً مع كتمه لكل ما يخالف الفهم الذي قد يتوهمه العامي والمبتديء، أو من لا دراسة عنده للمسألة. فالإفادة تفيد بها طالب علم فاهم وعنده فكرة، لا أن تضعها عند من لا يفهم الأمور وقد تتكون عنده فكرة مغلوطة تجعله يظلم بعض الناس، أو يغلط في تصور المسألة غلطاً فاحشاً.
وأختم بقول ابن القيم في إعلام الموقعين: "قال أبو داود في مسائله: قلت لأحمد: الرجل يسأل عن المسألة فأدله على إنسان يسأله؟ فقال: إذا كان - يعني الذي أرشدته إليه - متبعا ويفتي بالسنة، فقيل لأحمد: إنه يريد الاتباع وليس كل قوله يصيب، فقال أحمد: ومن يصيب في كل شيء؟ قلت له: فرأي مالك، فقال: لا تتقلد في مثل هذا بشيء، قلت: وأحمد كان يدل على أهل المدينة ويدل على الشافعي ويدل على إسحاق ولا خلاف عنه في استفتاء هؤلاء، ولا خلاف عنه في أنه لا يستفتي أهل الرأي المخالفون لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبالله التوفيق".
قصيدة البردة بين فهم محبيها وحكم فقهاء أهل الرأي.
جاء في كتاب لمحمد أمين المحبي المتوفى عام 1111هـ (يعني قبل ولادة الشيخ محمد بن عبد الوهاب) في ترجمة عمر بن عبد الوهاب الحلبي القادري:
«وَمن تعليقاته جَوَابه عَن مقَالَة الاستاذ مُحَمَّد البكرى ان النبى كَانَ يعلم جَمِيع علم الله تَعَالَى وَقد سُئِلَ عَنْهَا فى مجْلِس درس فَأجَاب بِأَن مقَالَة الشَّيْخ هَذِه صَحِيحَة وَلَا انكار عَلَيْهِ فِيهَا اذ يجوز أَن الله يَهبهُ علمه ويطلعه عَلَيْهِ وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن يدْرك مُحَمَّد مقَام الربوبية اذا الْعلم الْمَذْكُور ثَابت لله تَعَالَى بِذَاتِهِ وللمصطفى
بتعليم الله تَعَالَى اياه وإلى مثل ذَلِك أَشَارَ البوصيرى بقوله:
(فان من جودك الدُّنْيَا وضرتها ~ وَمن علومك علم اللَّوْح والقلم)».
أقول: هؤلاء صوفية غلاة يعتقدون أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم جميع علم الله عز وجل ويستدلون بأبيات في البردة، وعليه من فهم مثل فهمهم ولم تكن عقيدته مثل عقيدتهم فهو منكر على البوصيري متهم له بالغلو ضرورة وما فهموه هو ظاهر كلامه؛ فما حكم هذه العقيدة؟
سأنقل كلام أهل الرأي الحنفية حتى لا يقال هذا كلام غلاة أهل الحديث أو الوهابية.
جاء في مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر لداماد أفندي (1/ 320):
((و) شرط أيضا (حضور) شاهدين فلو تزوج امرأة بشهادة الله تعالى ورسوله لا يجوز النكاح وعن قاسم الصفار وهو كفر محض؛ لأنه اعتقد أن رسول الله -عليه السلام - يعلم الغيب وهذا كفر،. وفي التتارخانية إنه لا يكفر لأن بعض الأشياء يعرض على روحه -عليه الصلاة والسلام - فيعرف ببعض الغيب قال الله تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا} [الجن: 26] {إلا من ارتضى من رسول} [الجن: 27]).
أقول: هنا قاسم الصفار يرى إن إشهاد الرسول صلى الله عليه وسلم على النكاح كفر محض لأن فيه اعتقاد أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب، وتعقبه أصحاب التتارخانية أنهم لا يرون ذلك كفراً (وما رموه بخارجية ولا غلو ) لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد يكشف له بعض الغيب.
وتعقبهم لا ينفع في الدفاع عمن اعتقد أن علم النبي صلى الله عليه وسلم هو عين علم الله عز وجل فهم قالوا (بعض ) وليس (كل)، وبالتالي هم أيضاً موافقون على تكفير من يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم كل الغيب وعلمه هو علم الله عز وجل وسبحان الله كيف يكون هذا هو يقال له (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك).
وقد أنكر ابن تيمية على الصرصري أموراً هي دون ما عند البوصيري في بردته.
قال الشيخ كما في مجموع الفتاوى (1/70):
”ولهذا أنكرنا على الشيخ يحيى الصرصري: ما يقوله في قصائده في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم من الاستغاثة به مثل قوله: بك أستغيث وأستعين وأستنجد. ونحو ذلك“.
وبيان العالم في شخص هو بيان في نظيره وفيمن هو أولى منه غير أن في زماننا عجب لو أنكر عالم شيئاً في قصيدة أو كتاب ووجد في كتاب آخر نحوه أو مثله أو أشد منه بشهادة الكل قالوا هذا سكت عليه وتلقوه بالقبول!
ومعلوم أن المرء لا يتفرغ لكل المنكرات أفراداً وإنما يبين جنس المنتقد ثم الفاهم يفرع على كلامه، وهذا ابن أبي العز شارح الطحاوية أنكر على قصيدة فيها غلو بالنبي صلى الله عليه وسلم واستتابه شيوخ القوم كما يستتاب المرتد.
جاء في إنباء الغمر لابن حجر:
(وبلغنا أن جماعة من الشافعية والحنابلة والمالكية يظهرون البدع ومذهب ابن تيمية فذكر نحو ما تقدم في الظاهرية، فطلب النائب القضاة وغيرهم فحضر أول مرة القضاة ونوابهم وبعض المفتين فقرأ عليه المرسوم، وأحضر خط ابن العز فوجد فيه قوله: حسبي الله، هذا لا يقال إلا لله، وقوله: اشفع لي، قال: لا يطلب منه الشفاعة، ومنها: توسلت بك، قال: لا يتوسل به، وقوله: المعصوم من الزلل، قال: إلا من زلة العتاب، وقوله: يا خير خلق الله، الراجع تفضيل الملائكة، إلى غير ذلك فسئل فاعترف ثم قال: رجعت عن ذلك وأنا الآن أعتقد غير ما قلت أولاً: فكتب ما قال وانفصل المجلس).
أقول: واضح أنهم هددوه حتى رجع وما نسبوه له من تفضيل الملائكة على الأنبياء يخالف المعهود عنه وأما بقية الأمور فهي مذاهب شيخ الإسلام وتلاميذه ومذاهب عامة أهل الحديث لو أنصف المرء فقد كانت من حجتهم على الجهمية حديث (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) وأنه لا يستعاذ بمخلوق في هذا المقام، فإنكار ابن أبي العز ينطبق من باب أولى على البردة والتي ما كانت مشتهرة ذاك الاشتهار في ذلك الزمان وإنما اعتنوا بشرحها وتشطيرها لاحقاً بعد فشو الغلو وإنما كان قبل ذلك فقط يرويها من يروي كل شيء دون تمييز ولكنهم لا يذكرون أبياتها أبداً لا مدحاً ولا قدحاً مع تقدم زمان كاتبها.
هذا ليس بحثاً فقهياً هذه تصفية حسابات بطريقة رخيصة...
لا يخفى على الناظر المدقق أننا في زمن اختلطت فيه قيمنا الإسلامية بكثير من القيم الوافدة، ولهذا صار عند كثير من الناس مفاهيم مشوشة وغير منضبطة.
مثل مفهوم (التشدد) كثير من الناس يرى أن تحريم أي شيء لا يضر ضرراً حسياً (تشددا) وأنه لا ينبغي الإقدام على ذلك إلا ببراهين قطعية وإلا فلا.
وهذا تأثر بالقيمة الليبرالية القائلة (أنت حر ما لم تضر) المبنية على أن الله عز وجل لا حقوق له على الخلق، وإنما الأمر حقوق للخلق على بعضهم البعض فحسب.
بعض من يزعم (التخصص) أو (التحرر) أو حتى (التمذهب) وهذا عجب، صار يهيج العامة والغوغاء على خصومه، بأن يبرز لهم اختيارات فقهية (متشددة) بحسب اصطلاح الناس؛
وهذه الاختيارات قد تكون صواباً وقد تكون خطأ، ثم إن الخطأ درجات. فإن من الخطأ ما هو واضح جلي أنه خطأ، ومنه ما هو مسألة اجتهادية.
الباحث الجاد يرجع أسباب أخذ الفقيه أو العالم لقول ما إلى منهجية علمية، ويحاكمه إلى المنهجية العلمية، ويثرب عليه إذا خالفها، سواءً كان قوله تحليلاً أو تحريماً تشديداً أو تسهيلاً.
ولكن الحاصل اليوم أن بعضهم شأنه شأن الليبراليين، يحاول أن يوهم العامة أن هؤلاء الشيوخ متشددون، ومعقدون، ويتقصدون أن يلزموكم بالأقوال الشديدة لغلظة فيهم؛
لهذا تجد بعضهم لا يكتب بحثاً إلا في إباحة شيء سبق الفتوى على تحريمه أو مشروعية، أو شيء الفتوى على تبديعه، لا يكاد يخرج اجتهاده ولو مرة إلى العكس!
ثم هو مع ذلك يكتب بلغة تهييجية، أحياناً تصل إلى مستوى صبياني، وفيها تهييج للعامة وإيهام لهم.
خذ هذا المثال: رأيت لبعضهم بحثاً يختار فيه مذهب مالك والشافعي في أن من أراد الأضحية يستحب له ولا يجب عليه ألا يأخذ من شعره وظفره.
ومجرد الاختيار الفقهي دون تحر لتتبع الرخص مقبول، ولكنه بدأ مقالته بالتلويح بأن هذا (قول الجمهور) وأنه لا عجب أن يكون دليلهم راجحاً (علماً أنه يرى حل المعازف مخالفاً للجمهور بل للإجماع القديم)
ثم تعجب كيف يشاع بين الناس قول على خلاف قول (الجمهور) وكأنه يريد أن يوهم الناس أن هؤلاء الفقهاء المتشددين يريدون التضييق عليكم ولو خالفوا الجمهور.
مع أن المشهور في الفتيا في بلده إباحة المسح على الجوربين خلافاً للجمهور، لأن هذا المذهب الأرجح من ناحية الدليل، وهو مذهب أحمد المذهب المعتمد في بلده، وأفتى كثير من مشاهير المشايخ في بلده بأن سفر المعصية يجوز الترخص فيه برخص السفر خلافاً لمذهب الجمهور تأثراً ببحث ابن تيمية في المسألة، وله جلالة عندهم، وهم يعتنون بكتاباته ويعتنون بتحريراته العقدية والفقهية خلافاً لمن يدعي التمذهب وذم طريقة ابن تيمية في العقيدة، ثم هو يفزع لاختياراته لمجرد أن يراها موافقة لما يريد العامة.
والذي يعنينا الوقوف عنده هو مصطلح (الجمهور) أو (جماهير أهل العلم) فهذا مصطلح غير محرر عند كثيرين، فالعامي إذا قرأ (جماهير العلماء) يتصور أن المقصود جماهيرهم مطلقاً في كل زمان ومكان.
والأمر ليس كذلك فكثير من المعاصرين يقول (الجمهور) ويعني (ثلاثة) من المذاهب الأربعة، وهؤلاء ليسوا هم الجمهور حقيقة فإن الأئمة المجتهدين كثير ولا يحصرون بأربعة ولا خمسة.
وهذا ظاهر لكل من قرأ في كتب الخلاف، فقد تكون المسألة فيها قول لثلاثة من الأربعة ولكنك إن نظرت في بقية المجتهدين كربيعة؛ والأوزاعي؛ والليث؛ وسفيان؛ وإسحاق وغيرهم، وجدت أن الأكثر مع قول المنفرد من الأربعة.
وقال ابن المنذر: ويروى إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ علي، وعمار، وابن مسعود، وأنس، وابن عمر، والبراء، وبلال، وابن أبي أوفى، وسهل بن سعد، وبه قال عطاء، والحسن وسعيد بن المسيب، والنخعي، وسعيد بن جبير، والأعمش، والثوري، والحسن بن صالح، وابن المبارك، وإسحاق، ويعقوب، ومحمد. وقال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي، ومجاهد، وعمرو بن دينار، والحسن بن مسلم، والشافعي: لا يجوز المسح عليهما، إلا أن ينعلا؛ لأنهما لا يمكن متابعة المشي فيهما، فلم يجز المسح عليهما، كالرقيقين ولنا: ما روى المغيرة بن شعبة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على الجوربين والنعلين»
أقول: هذا مثال جيد لو نظرت إلى المسألة من خلال (الأربعة فقط) فسيظهر لك أن الإمام أحمد قوله شاذ منفرد والجمهور على خلافه، وسيقول لك بعضهم (الجمهور على عدم المسح على الجوربين)
ولكن إن نظرت إلى بقية المجتهدين ستجد أن أحمد معه غالب المجتهدين! وعامة الصحابة، بل عدد من معه أكثر بكثير من الآخرين.
وهذا أمر يعلمه المعترض، وكيف لا يعلمه وهو يخالف مشهور المذاهب الأربعة في مسائل ادعي فيها الإجماع، ودائماً هذه المسائل إباحة محرمات فقط.
ولهذا دعاوى الإجماع التي توجد في كلام ابن المنذر وابن قدامة وأمثالهم أقوى من دعاوى الإجماع التي توجد في كلام بعض المتأخرين الذين ينظرون للأمر من خلال أربعة مذاهب فقط.
=
وقد يقول قائل: لعل مقصود من "يقول الجمهور" أن الأمة استقر أمرها على أربعة مذاهب؟
فيقال: الأقوال لا تموت بموت أصحابها، فما بالك والأقوال باقية في مذاهب الآخرين، وأتباع مالك؛ والشافعي؛ وأبي حنيفة؛ وأحمد لا يعتبرون في الخلاف بمثل منزلة المجتهدين.
فأنت عندما تعد خلاف العلماء فينبغي أن تتكلم عن المجتهدين فحسب على طريقة ابن المنذر؛ وابن قدامة وغيرهم من المصنفين. وأحياناً يقع منهم التنبيه على بعض المتبعين لأئمة المذاهب إذا خالف مذهب إمامه.
فحين يقال (مذهب الجمهور) فالمعني به (جمهور المجتهدين) الذين يعتد بخلافهم ووفاقهم، ومالك يعتبر واحداً من المجتهدين وليس عدداً كبيراً من المجتهدين بحجة وجود أتباع له.
والآن لننظر إلى مسألة الأخذ من الشعر والظفر، ونرى مصطلح (جمهور) كيف يمكن أن يكون وقعه على القاريء العامي، وما هو واقع الخلاف؟
قال الترمذي بعدما أورد حديث فلا يأخذ من شعره وظفره: وهو قول بعض أهل العلم وبه كان يقول سعيد بن المسيب، وإلى هذا الحديث ذهب أحمد، وإسحاق ورخص بعض أهل العلم في ذلك، فقالوا: لا بأس أن يأخذ من شعره وأظفاره، وهو قول الشافعي، واحتج بحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث بالهدي من المدينة، فلا يجتنب شيئا مما يجتنب منه المحرم.
هنا الترمذي ذكر خمسة من المجتهدين، ثلاثة منهم يرون وجوب ترك الأخذ من الشعر والظفر لمن يريد أن يضحي، واثنين لا يرون الوجوب بل الاستحباب وترك ذكر أبي حنيفة.
وأبو حنيفة يرى وجوب الأضحية بخلاف صاحبيه، فأصله يوحي بأنه مائل إلى وجوب المنع من الأخذ من الشعر والأظفار، وهذا ظاهر كلام الطحاوي في بيان مشكل الآثار حيث قال: "وتلك الأحاديث حتى ينتفي عنها التضاد والاختلاف على إرادة معنى الوجوب؛ حتى لا تختلف ولا تتضاد، وكان ما في هذه الآثار من إرادة من دخل عليه هلال ذي الحجة، وأراد أن يضحي، وله ما يضحي به يمنعه ذلك من أخذ شعره، وقص أظافره حتى يضحي. فقال قائل: فقد رويتم عن عائشة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي عنها، ما يخالف ذلك فذكر"
ثم ذكر حديث عائشة الذي استدل به الشافعي وقال جواباً على كلامه: "أن الذي في هذه الآثار قد روي على ما فيها، وقد روى بعض رواتها عن عائشة فيما رووه عنها في ذلك زيادة على ما رووه عنها عليه 5529 - كما حدثنا الحسن بن غليب بن سعيد، حدثنا أبو صالح عبد الغفار بن داود الحراني، حدثنا عبد العزيز بن مسلم القسملي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: " كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يبعث بالهدي، ويقيم عندنا لا يجتنب شيئا مما يجتنبه المحرم من أهله حتى يرجع الناس " فكان في هذا الحديث القصد بالذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجتنبه هو ما كان يجتنبه من أهله مما يجب على المحرم اجتنابه من أهله في إحرامه، لا ما سواه من حلق شعره، ولا من قص أظفاره، وذلك [ص:142] لا يمنع ما في حديث أم سلمة الذي رويناه، ويكون تصحيح ما رويناه عن أم سلمة، وما رويناه عن عائشة: أن يكون حديث أم سلمة على منع من أراد أن يضحي , وله ما يضحي , عن حلق شعره، وقص أظفاره في أيام العشر حتى يضحي، وحديث عائشة على الإطلاق لما سوى قص الأظفار، وحلق الشعر، له من تلك الأيام"
أقول: كلام الطحاوي واضح، وتوجيهه كتوجيه أحمد، فهو مائل للوجوب، وهو الحاكي لمذهب أهل الرأي، وكذلك أهل الظاهر يرون الوجوب كما قول ابن حزم.
فالخلاصة لا يستغرب القول بالوجوب على حنبلي لأنه قول أحمد، وما خالفه محققي مذهبه، ثم هو قول إسحاق والظاهرية، ولم ينقل عن التابعين سواه (على خلاف في تحرير مذهب سعيد) وذكر ابن عبد البر أن الثوري لا يرى الوجوب، والأوزاعي يوجب إذا اشتريت الأضحية بعد العشر.
تنبيه: الظاهر من التجريد للقدوري وغيره من كتب الأحناف أنهم لا يرون مشروعية الإمساك عن الشعر والظفر أصلاً، ويرونه حديثاً متروكاً العمل به، وهذا خلاف صنيع الطحاوي. وعلى كل حال مذهبهم لا يساوي مذهب مالك والشافعي، بل هو مذهب ثالث مختلف على طريقة القدوري وموافق لمذهب أحمد على طريقة الطحاوي.
وأخيراً أقول: المقصود ليس تحرير المسألة والخلاف فيها قوي، وعامة الناس يحرصون على أمور هي دونها مثل التراويح، بل الأضحية نفسها في الناس حرص عليها ومحبة لهذه الشعيرة والحمد لله.
ولا يشكل أن الأضحية كيف تكون غير واجبة، ومن يريد أن يضحي يلزمه الإمساك عن شعره وأظفاره، فهذا مثل الحاج حجة سنة أو المعتمر عمرة سنة فإنه إذا أحرم يجب عليه أمور وأصل عبادته مستحبة.
غير أن المقصود هذا الأسلوب القائم على التلاعب اللفظي، وإيهام العامة والتعجب من كون حنابلة يأخذون بقول أحمد، والذي ما خالفه المجتهدون الذين هم في العادة يعولون عليهم إذا خالفوا مشهور المذهب كابن تيمية، وهو ظاهر حديث صحيح ، فهذا ليس محل تعجب (خصوصاً إذا علمت أن بعض الشافعية مال للوجوب) وإنما التعجب من تتبع الرخص.