خلاف حقوقي!
خلاف حقوقي!
جاء في مقال العولمة والسلام والمواطنة العالمية لجاك دريدا:
"عقوبة الإعدام
إن مسألة عقوبة الإعدام الخطيرة لا تنفصل عمّا ذكرته للتو. لأنه، ومن غير أن أسترجع تاريخ النضالات الطويلة المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام التي نمَت منذ قرون، حتى في الولايات المتحدة، فإنه علينا على الأقل أن نتذكَّر هذا الأمر البديهي: إن الاتفاقات والإعلانات الدولية حول حقوق الإنسان، والحق في الحياة، ومنع التصرفات العنفية -وهي لا تنسجم أبدًا مع عقوبة الإعدام- (ليس لديَّ الوقت الكافي لكي أُعدّد هذه الإعلانات، لكني أشير إلى أنها جميعها انبثقت عن الأمم المتحدة)، هي التي شكَّلت باستمرار منذ الحرب العالمية الثانية بصورة مباشرة أو غير مباشرة نوعًا من الضغط على الدول، كان له أثره على عدد كبير من الدول الديموقراطية عندما اتخذت قرارًا بإلغاء عقوبة الإعدام. كانت دائمًا مرجعيةٌ متخطيةٌ للدول ولسيادتها هي التي تفرض على الدول (شكَّلت دائمًا عقوبة الإعدام، مثل العفو، أحد علامات سيادتها البارزة) التخليَ عن عقوبة الإعدام (في الظاهر كان الأمر خيارًا ذاتيًّا، إلا أنه في الواقع كان إلزامًا دوليًّا). هذه هي الحال بالتأكيد في أوروبا، وفي فرنسا منذ أقل من عشرين سنة، والأمر يصح على حوالي خمسين دولة في العالم. يمكننا القول مع بعض رجال القانون إن هذا التوجه المتصاعد لإلغاء عقوبة الإعدام يتحوّل إلى «قاعدة عرفية في القانون الدولي» كما يُقال في الإنكليزية، وإلى «قاعدة مُلزمة» كما يُقال في اللاتينية. ونحن والحالة هذه نعلم أن من بين البلدان التي تقاوم هذا التوجه، بين الدول الوطنية التي تُقدِّم نفسها على أنها من الديمُقراطيات الغربية الكبرى ذات التراث المسيحي-الأوروبي، تَبرُز الولايات المتحدة التي هي اليوم (وبعد نقاشات حامية قديمة وحديثة حول هذا الموضوع الذي ليس لديَّ الوقت للتذكير به) الدولةُ الوحيدةُ -على ما أعلم- التي لم تُلغِ عقوبة الإعدام فحسب، وإنما تطبِّقها بشكل مكثّف ومتصاعد وعنيف، ولنقل أيضًا تمييزي، وأحيانًا أعمى -والأمثلة كثيرة على ذلك-. فباسم جمعيات دولية أخرى، وباسم البرلمان الدولي للكتّاب الذي لي شرف الانتساب إليه، وباسمي الشخصي، أطلب أن تُدرج قضية عقوبة الإعدام على شكل نداء علني في أي نص يعود إلى «العقد العالمي الجديد». ها أنا قد انتهيتُ مع مجاهراتي بإيماني".
أقول أنا عبد الله:
الولايات المتحدة تختلف مع عامة دول الغرب في قضية حقوقية خطيرة عندهم وهي عقوبة الإعدام، ومع ذلك أمريكا لا تُصنَّف دولةً متخلفةً أو وحشيَّةً بسبب قوَّتها العسكرية والاقتصادية.
إذا جاز للولايات المتحدة مخالفةُ الإجماع الأوروبي في قضية يزعمونها حقوقية، فلماذا لا يجوز لغيرهم أيضًا المخالفة لأسباب دينية وعُرفية!
وإذا كان القوم يختلفون في قضية خطيرة فيها دماء مثل هذه، فأين ما تبشِّرنا به العالمانية من القضاء على خلافيَّات الفقهاء! على الأقل خلافهم يرجع لأصول، أما خلافيَّات القوم فلا يُمكن أن تُرفع لأنها راجعة لأذواق شخصية.
وإذا كانت المنظومة القِيَمية الغربية (وقد شرحت آنفًا أنها لا وجود حقيقي لها) ما حَسمت قضيةً كبيرةً مثل هذه، وكذلك قضية مثل الإجهاض، والخلاف شديد ليس في واجب أو مستحب، بل هذا يرى الإعدام جريمةً والإجهاض حقًّا، وذاك يرى الإعدام حقًّا والإجهاض جريمةً (على اختلافٍ عندهم في تفاصيل هذا)، وهناك من يرى كليهما حقًّا، وهناك من يرى كليهما جريمةً، ولا يوجد أيُّ مرجعية مُتسامية تَحسِم النزاع.
والشيء الوحيد الذي نحن متأكِّدون منه أن هناك مَن يرتَكب جريمةً أو يتساهل في حقِّ مجرمٍ باسم الحقوق!
إذن عامة ما ينتقدونه على الأديان هُم يَقعون بِمَا هو أشدُّ منه لو تدبروا!