فائدة لغوية لطيفة وفيها تقويم عقدي منهجي
فائدة لغوية لطيفة وفيها تقويم عقدي منهجي
عالم اللغة ابن سيده المتوفى عام ٤٥٨، في آخر كتابه المخصص تكلَّم عن الفرق بين المدح والحمد.
فقال إنهما يشتركان بكونهما نقيض الذم، ويفترقان بأن الحمد هو الوصف بالجميل على جهة التفضيل، وأما المدح فهو الثناء سواءً كان هذا الإنسان يستحقه أم لا.
وضرب مثالًا بهذا فقال في (٥/ ٢٣٢) من طبعة دار إحياء التراث العربي :"لأن اليهوديَّ قد يصف إنسانًا بأنه متمسك باليهودية على جِهَة المدح بذلك وهو يجوز أَن يستعار له اللفظُ".
فهو يقول إن اليهودي قد يُثني على يهودي آخر بسبب تمسُّكه باليهودية، وهذا ثناء، ونسميه مدحًا ولكن لا نسميه حمدًا، لأن اليهودية كفر وباطل.
ولهذا نحن في ذكرنا لله نستخدم لفظ الحمد، قال ابن سيده: "وإنما نحمده جل وعز على جِهَة التفضيل لأفعاله على كل فعلٍ لنا وعلى التعظيم لإنعامه علينا وإحسانه إلينا".
ولما عرض ابن سيده لقول من يسوون بين المدح والحمد اعترض عليهم بقوله: "ولو كان كما قالوا لجاز أَن يُحمَدَ اليهوديُّ على قوَّته وشدَّة بدنه وإِن صرف ذلك إِلى الفساد وما هو كفر منه وإشراك".
تأمَّل قوله "ولو صرف ذلك إلى الفساد"، تأمَّل تيقُّظَ الناس في ذلك الزمان، فهم لا يحمدون الكافر على فضائل دنيوية فيه لعلمهم أن مآل أمره إلى نصرة الكفر والشرك أو الفساد أو أن ذلك قريب جدًّا منه.
قارن هذا مع أحوال الناس اليوم وانبهارهم بأحوال الكفار وقوَّتهم بغضِّ النظر عما تؤول إليه قوتهم وتقدُّمهم، فعلى تقرير ابن سيده لا يُحمد الكافر، وإنما يُمدَح مدحًا مقيَّدًا باعتبار الحال ويُذمُّ باعتبار المآل.
تأمل تنبيهه هذا وهو يتكلم في كتاب لغة، اليوم من أخطر ما وقع علينا تحييد معاني الكفر والإيمان عن العلوم ومحاولة إيجاد قيمٍ يُثنَى عليها بغضِّ النظر عن خدمتها للقضية العقدية، لهذا أشجاني كلام ابن سيده.