كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

هل أخذ الإمام مالك علم الكلام من شيخه ابن هرمز؟

المصدر
هل أخذ الإمام مالك علم الكلام من شيخه ابن هرمز؟ قال يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (1/652) : "حدثنا محمد بن أبي زكير أخبرنا ابن وهب قال: قال مالك: كان ابن هرمز رجلا كنت أحب أن أقتدي به، وكان قليل الكلام قليل الفتيا، شديد التحفظ وكان كثيرا ما يفتي الرجل، ثم يبعث في أثره من يرده إليه حتى يخبره بغير ما أفتاه. قال: وكان بصيرا بالكلام، وكان يرد على أهل الأهواء وكان من أعلم الناس بما اختلف فيه من هذه الأهواء". هذا الأثر أورده ابن عساكر في تبيين كذب المفتري، ليبين أن هناك علم كلام سني، وأن شيخ مالك كان يحسن هذا العلم، ليعارض الآثار الواردة عن الأئمة في ذم علم الكلام مطلقاً. وعامة من يذب عن علم الكلام يعتبر مطلق الجدل علم كلام، وليس الأمر كذلك، فلو كان الأمر كما يقولون لكان كل الأنبياء والصحابة علماء كلام. وعلم الكلام على التحقيق نهج عقلي خاص، ليس قالباً محايداً بل هو نصرة للعقائد بتسليم مقدمات لا يسلمها أهل الشرع في العادة من الكلام في الجوهر والعرض وما يتبعه، ولهذا كثر ذم العلماء للمتكلمين. والآن؛ النقاش في هذا الأثر هل يدل فعلاً على علم الكلام المعروف عندنا؟ من الناس من قال نعم بضميمة قوله (وكان يرد على أهل الأهواء) إلى (وكان بصيرا بالكلام). والذي يظهر لي أن قوله (وكان يرد على أهل الأهواء) من عطف المغايرة، وأن قوله (وكان بصيراً بالكلام) يريد به الكلام بالفتيا لأمرين: الأول: قوله في بداية الأثر (كان قليل الكلام قليل الفتيا) فأراد مالك أن يدفع أن ذلك كان عن جهل. الثاني: أن كلمة (الكلام) وردت في أثر آخر لابن هرمز، والسياق يدل على الكلام في الفتيا. قال يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ: "حدثنا ابن زيد بن بشر، أخبرني ابن وهب، حدثنا زيد، عن عبد الله بن هرمز أنه قال -حين كف عن الكلام- : ما كنا إلا قضاة، ولكن لم نكن نعرف ما نحن فيه، فكانت الفروج تستحل بكلامنا وتقطع الأموال بكلامنا، فما كنا إلا قضاة". تأمل قوله (حين كف عن الكلام) ثم بعد ذلك كلامه عن الفتيا، فهو يتكلم عن الفروج يريد أحكام الطلاق والنكاح، وقوله وتقطع الأموال يريد أحكام البيوع. وابن هرمز مشهور أنه كان فقيهاً ورعاً، كان يحسن الفقه ثم ترك الفتوى، وقال لمالك لا تكتب عني هذا. وقال ابن هرمز: "أدركنا من كان قبلنا من أهل العلم إذا سئلوا عن الشيء قال بعضهم لبعض: انظروا فيما يقول صاحبكم. فيقولون: كأنا نشبه هذا الأمر بالأمر الذي كان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم. (وذكر بقية الأثر وسياقه في الفقه واضح). هذه بقية الأثر وهي تدل بشكل واضح أنه يتكلم عن الفقه والفتيا: قال يعقوب في المعرفة: "حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثني مطرف، عن مالك قال: قال يزيد ابن عبد الله بن هرمز: يا مالك لا تمسك بشيء من هذا الرأي الذي أخذت عني فإني والله فجرت ذلك وربيعة". ومصطلح (الكلام) مثل مصطلح (الرأي)، فـ(الرأي) يقصد به معنيان: الأول: استنباط المعاني الدقيقة والنظر في المسائل التي لا نص جلي فيها بالقياس، وهذا المعنى المشترك بين كل المجتهدين. الثاني: طريقة خاصة في الفقه يقدم أصحابها القياس على بعض الأخبار التي يصححها أهل الحديث مع أصول أخرى انفردوا بها عن فقهاء أهل الحديث أوجبت خلافاً كثيراً، وهؤلاء من يقال عنهم (أهل الرأي) وهذا الذي في الكوفيين. وأما في المدينة فظهر رأي هو بين بين أنكره المدنيون، وكان مالك قد هجر مجلس شيخه ربيعة لما رآه يتوسع في هذا ويميل لطريقة ابن هرمز، وإذا كان مالك يذم التوسع الزائد في الاستنباط والقياس بدون معارضة للنصوص فكيف يثني على علم الكلام؟ قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (20/318) : "وصار في الناس من يقبل ذلك وفيهم من يرد، وصار الرادون لذلك مثل هشام بن عروة وأبي الزناد والزهري وابن عيينة وأمثالهم؛ فإن ردوا ما ردوا من الرأي المحدث بالمدينة فهم للرأي المحدث بالعراق أشد ردا، فلم يكن أهل المدينة أكثر من أهل العراق فيما لا يحمد وهم فوقهم فيما يحمدونه". ففرق ابن تيمية بين (رأي) و (رأي)، فكذلك هناك فرق بين (كلام) و (كلام)، والخلط بينهما هو الذي أدى بابن عساكر إلى هذا اللبس. وأما رد ابن هرمز على أهل الأهواء فهو من جنس ردود مالك نفسه، وهي مثل ردود الصحابة والتابعين، كان المخالفون يفسرون النصوص على غير التفسير السليم ولا يحكمون العقل، كشأن أهل الكلام، وكان أهل العلم يردون عليهم ببيان الفهم الصحيح للنصوص، وفي وقت ابن هرمز لم يكن للجهمية ظهور قوي خصوصاً في المدينة. ويزيد الأمر وضوحاً ما روى ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله عن مالك بن أنس: «إنما كان الناس يفتون بما سمعوا وعلموا ولم يكن هذا الكلام الذي في الناس اليوم» (فهو يتكلم عن الفقه أو الرأي أو التوسع في القياس بدليل الحديث عن الفتيا وسماه كلاماً).