فقه علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بين أدعياء المذهبية والسلفية المعاصرة..
فقه علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بين أدعياء المذهبية والسلفية المعاصرة..
الكثير من الأشعرية الصوفية المعاصرين يحملون لواء الدعوة إلى المذهبية، ويوهِمون الناس أنهم وحدهم من يخدم المذاهب الفقهية وأن كل من ليس على طريقتهم هو ظاهري جامد من دعاة الشذوذ، ثم هم يسكتون على مخالفاتٍ للمذهب توجد عند كبرائهم.
عند عدد منهم مسلَّمات تقدمت مناقشتها في القناة، مثل ظنهم أن المذهبية تساوي أنه لا إنكار في مسائل الخلاف، وظنهم انفصال المذهبية عن مسائل العقيدة، وظنهم إمكانية الجمع بين دراسة أصول الفقه على منهج المتكلمين والمذهبية.
غير أن الجديد هنا أن كثيرًا منهم بحكم التصوف الطرُقي يُظهِر الافتخار بالانتساب لأهل البيت ويُعلي من شأن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- من دون بقية الصحابة ظنًّا منهم أن في ذلك رفعة لهم هم الذين ينتسبون إليه نسبًا.
ثم لا يكتفون بذلك حتى يعرضوا باتهام غيرهم بالنصب أو التأثر بالنواصب، والواقع أنهم هم المتأثرون بالشيعة، وهم مخالفون بذلك لمتقدميهم من الأشعرية.
وآخر ما وقفت عليه في هذا السياق عبارة منسوبة لمولود السريري (الذي كثُر منه نقد السلفية المعاصرة هذه الأيام)، العبارة تقول: "علي بن أبي طالب [عليه السلام] فقيه هذه الأمة بلا منازع، وهو أعلم الصحابة وإن كان البعض يسعى إلى إخفاء هذه الحقيقة".
وحقيقةً لا يجتمع نقد التفقه اللامذهبي مع هذه الدعوى، وذلك أن فقه علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أكثرُ مَن أحياه حتى في الاختيارات التي انفرد بها رضي الله عنه هم من خالفوا المذهبية المتأخرة أو مَن يسمَّون السلفية المعاصرة بمختلف تياراتها وطرقها في التفقه التي بينها تقاطع واختلاف.
وبرهان ذلك أن الإمام الشافعي له كتاب في الأم مُعَنوَن بـ (اختلاف علي وابن مسعود) جمع فيه مخالفات أهل الرأي أو الكوفيين لعلي بن أبي طالب وابن مسعود.
وكتاب الشافعي هذا فيه نقض لعدد من دعاوى المتمذهبين المتأخرين، من ذلك دعواهم أنه لم يُحفظ إلا مذاهب الأربعة، فإذا كان الشافعي أمكنه حفظ مذاهب علي وابن مسعود وإن لم يقل بها كلها وضمَّنها مؤلفاته؛ فحِفظ مذاهب غيرهم ممن الوصول إليهم أقصر إسنادًا ممكن أيضًا، وقد قرر هذا المعنى ابن تيمية في رده على السبكي.
وأيضًا فيه نقض دعوى أن المتأخر أعلم بمذهب المتقدم، فالشافعي ادعى على الكوفيين مخالفة فقهائهم المتقدمين، وادعى ذلك على أهل المدينة أيضًا، وإذا حصل هذا في الأزمنة المتقدمة فهو ممكن في المذاهب المتأخرة أيضًا، وقد وقع وإن كابر ذلك المكابرون.
والآن مع المسائل التي حكاها الشافعي عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، علمًا أننا لا نعتقد خصوصية لعلي -رضي الله عنه-، فهو من الخلفاء الراشدين وأعلم الصحابة بالقضاء، وأعلمهم بالفرائض زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأبو بكر أولاهم بكل فضيلة وأجمعهم لها، غير أنني أخاطب القوم على ما اعتادوه، ولطالما كان التمسح بعلي بابًا للطعن في الصحابة الآخرين وأهل الحق والله المستعان.
المسألة الأولى: المسح على النعلين:
(قال الشافعي): أخبرنا ابن عيينة عن أبي السوداء عن ابن عبد خير عن أبيه قال: «توضأ علي -رضي الله تعالى عنه- فغسل ظهر قدميه وقال: لولا أني رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمسح ظهر قدميه لظننت أن باطنهما أحق»، أبو معاوية عن الأعمش عن أبي ظبيان قال: رأيت عليا -رضي الله عنه- بال ثم توضأ ومسح على النعلين ثم دخل المسجد فخلع نعليه وصلى.
ثم قال الشافعي: ولسنا ولا إياهم ولا أحد نعلمه يقول بهذا من المفتين.
وقد ذهب الألباني من السلفية المعاصرة (وتابعه غيره) إلى جواز المسح على النعلين اتباعًا لعلي بن أبي طالب في القول الذي يقول فيه الشافعي أنه ما قال به أحد من المفتين، وهذا خلاف معتمد المذاهب الفقهية المشهورة وقول جمهرة المفتين، وقد نوقش أثر علي سندًا ومتنًا، وليس المقصود تفصيل المسألة وإنما المراد الإلزام.
المسألة الثانية: حكم صلاة الجماعة:
قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: أخبرنا هشيم وغيره عن ابن حيان التيمي عن أبيه عن علي -رضي الله عنه- قال: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، قيل: ومن جار المسجد؟ قال: من أسمعه المنادي، ونحن وهم نقول: يُحَبُّ لمن لا عذر له أن لا يتخلف عن المسجد، فإن صلى فصلاته تجزي عنه، إلا أنه قد ترك موضع الفضل.
أقول: وأكثر من يُشدِّد في صلاة الجماعة السلفية المعاصرة وأقوالهم بين الوجوب والشرطية، وآثار الصحابة دالة على الوجوب بقوة، منها أثر علي هذا.
=