كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

آية تسليم الصحابة

المصدر
آية تسليم الصحابة وأنا أنظر في باب الناسخ والمنسوخ بدا لي أمر عجيب ما كنت قد انتبهت له من قبل، وهو قلة طرح الأسئلة والإشكالات من الصحابة. قال تعالى: {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} هذا التساؤل جاء من سفهاء اليهود ولم يأتِ من أحد من الصحابة الكرام، فضلاً عن أن يرتد منهم أحد. كانوا مشغولين بنصرة ما معهم من الإيمان واليقين عن الوقوف عند الإشكالات الصغيرة، بل كان ذلك يأتي من خارجهم ويجيبه الوحي فيدمغه. وقد نالهم في ذات الله عز وجل ما لم ينل أحداً قط، فإنهم بعد عمر قضوه في الشرك عرفوا الحق، وتوجب عليهم نصرة الحق دون أن يكون قد سبقهم أحد لذلك، ووجب عليهم أن يتحملوا أذية الأهل والأقارب، ثم بعد ذلك قتالهم، ثم بعد ذلك احتمال أذية المنافقين واليهود، واجتماع العرب عليهم. ما الذي جعلهم يحتملون كل ذلك؟ ما وجدوه من الإيمان واليقين مع ما رزقهم الله من رجاحة العقول، إذ لا يقفون عند الإشكالات اليسيرة، ويتسلون عن كل ما يصيبهم برجاء الثواب. اليوم تجد المرء بين المسلمين ويخاف من قول كلمة حق لا يناله بسببها عشر معشار ما نال الصحابة، ثم تجده يتزلزل ويتلكأ، حتى أن بعضهم يمنعه من قول كلمة الحق الخوف من فقدان المتابعين أو الداعمين. انظر في هذا ثم تدبر في أحوال الصحابة، لتعلم أن أحوالهم كانت آية من آيات الله عز وجل، وأنهم رأوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم من البينات ما خفف عليهم كل هذا. وقال تعالى: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار} قوم عمال يعملون بالنهار يصلون نصف الليل وثلثه، أي إيمان ملأ قلوبهم إلى هذا الحد وهم يجدون بسبب إيمانهم أعظم الأذية! وقال تعالى: {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون (65) الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين} حين فرض الله على المؤمنين ألا يفروا من المشركين ولو كانوا عشر أضعافهم ورد عن بعض السلف أنهم مضوا لذلك، ووردت رواية أنهم استثقلوا ذلك، ولكن لم يأتِ بأي رواية أنهم واجهوا النبي صلى الله عليه وسلم بالاعتراض، ولا ارتد منهم أحد، ولا قال منهم أحد أننا فعلنا وفعلنا لدين الله فكيف نكلف هذا الأمر الثقيل. وفي ذلك آية أنك إن سلمت لأمر الله عز وجل وإن لم يبلغه عقلك فتح الله عليك من أبواب التخفيف ما لا يخطر لك على بال ومن أنك تعرف من الحِكَم ما يملأ قلبك يقيناً، والصحابة الكرام جازاهم الله بالنصر والتمكين لمَّا سلَّموا لله عز وجل.