نحن أولى بالشفقة إذ فقدنا الأنس.
نحن أولى بالشفقة إذ فقدنا الأنس.
قال البخاري في صحيحه: "1130- حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا مسعر، عن زياد، قال: سمعت المغيرة رضي الله عنه، يقول: إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليقوم ليصلي حتى ترم قدماه -أو ساقاه- فيقال له فيقول: «أفلا أكون عبدا شكورا»".
أقول: النبي صلى الله عليه وسلم حين كانت تتورم قدماه لم يكن يشتكي، وإنما كان يلاحظ ذلك من يحبه صلى الله عليه وسلم فيكلمه بأن يخفف على نفسه.
فيأتي جوابه: «أفلا أكون عبداً شكوراً» هذا الجواب معناه أنه شاهد نعم الله عز وجل عليه، وآثار أسمائه وصفاته، ويأخذه الاستشعار لذلك إلى الإقبال على شكره سبحانه، فيجد من الأنس ما ينسيه ما يجد في قدميه.
حال النبي صلى الله عليه وسلم في الأنس الذي لا يفهمه الناس فيشفقون عليه، وهو في حال لو علموا حقيقتها تفصيلاً لغبطوه عليها.
وهكذا حال كثيرين في الاستقامة والخير، تجد الناس يشفقون عليهم، والناس أولى بالشفقة إذ لم يجدوا لذة الأنس.
الأنس لا يجده الموسوس، ولا يجده المتهتك، وربما ظن الظان منهم أن تلك مجرد دعاوى لا يجدها الناس حقيقة.
غير أن حال النبي صلى الله عليه وسلم وعموم الصالحين من السلف يدل على أن الأمر حقيقة.
بل قبل ذلك كله قوله تعالى: {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} [طه]. وهذا الأنس من وجده خف عليه كل شقاء حتى لكأنه ليس موجوداً.
قال ابن أبي الدنيا في المتمنين: "33- حدثنا هارون، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، قال: سمعت مالك بن دينار، يقول: "وددت أن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول لي: يا مالك، فأقول: لبيك، فيأذن لي أن أسجد بين يديه سجدة، فأعرف أنه قد رضي عني، فيقول: يا مالك كن اليوم ترابا".
كلام مالك بن دينار عن الشعور برضا الله عز وجل إنما هو كلام من وجد الأنس، الناس يجدون لذة الرضا في علاقاتهم، الابن مع أبيه، والأزواج مع بعضهم، وقد ورد في الحديث عظيم لذة ما يجد أهل الجنة من الشعور برضا الله عز وجل.
وقال البخاري: "6549- حدثنا معاذ بن أسد، أخبرنا عبد الله، أخبرنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة؟ فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا".
فهذا الرضا يأتي بعد عموم الثواب، فهذه اللذة المعنوية هي درة التاج في نعيم أهل الجنة، هذا النعيم فرعه في الدنيا الأنس بالله عز وجل الذي يخفف على الخواص ما يجده غيرهم من مشقة العبادة والابتلاءات ومكابدة الشهوات.