هناك عبارة تتردد بشكل مستمر على ألسنة العوام إذا وجد خلاف
هناك عبارة تتردد بشكل مستمر على ألسنة العوام إذا وجد خلاف
تجده يقول : والله احترنا لا نعلم أين الصواب
علماً أن هذه الحيرة في كثير من الأحيان تكون مصطنعة وتجده بعد هذه الحيرة المزعومة يختار أقرب الأقوال إلى ما يحب ويهوى
ولو تعلم قاعدة ( الخروج من الخلاف ) لارتاح من هذه الحيرة وقاعدة الخروج من الخلاف أصلها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جامع ( فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه )
ومعنى الخروج من الخلاف أن العلماء إذا اختلفوا في شيء هل هو واجب أو مستحب افعله فهم جميعاً متفقون على أن فعله مشروع فإذا فعلته فقد أتيت بالقدر المتفق عليه وخرجت من الخلاف
وإذا اختلفوا في شيء هل هو شرط في صحة العبادة أو العقد فافعله احتياطاً
وكذلك إذا اختلف الفقهاء في شيء هل هو مباح أو محرم واحترت أو كان الخلاف قوياً اتركه فإنهم متفقون على أنك إذا تركته فلا شيء عليك
ومنهجية ( الخروج من الخلاف ) التدين فيها ظاهر بخلاف منهجية ( تتبع الرخص ) وفي منهجية ( الخروج من الخلاف ) اجتماع للكلمة على أفضل الأحوال ، وكثير ممن يتباكى من الخلاف تجده لا يخرج من الخلاف ويريح المسلمين في مسائل هو قوله فيها شاذ أصلاً ، فمراعاة الخلاف هو فقه الاجتماع حقاً
ولسنا نقول كلما اختلف اثنان في شيء هل هو محرم أو مباح اتركه لمجرد الخلاف وإنما نتكلم عن الخلاف القوي وأيضاً عن الأشياء المباحة عند البعض ولكنها لا تكاد تطبق في الواقع إلا ويقترن بها أمور محرمة
والآن مع نصوص الفقهاء في استحباب مراعاة الخلاف
قال أبو العباس ابن أبي كف رحمه الله في قواعد مذهب مالك» مخطوط بالمسجد النّبويّ « (ق / 108/ ب) : :.
أما في مذهب الشافعي رحمه الله فقد نَصَّ أئمّة مذهبه على مشروعية البناء على رعي الخلاف واستحبابه.
قال الزركشي في المنثور : الأول: يستحب الخروج منه باجتناب ما اختلف في تحريمه وفعل ما اختلف في وجوبه، إن قلنا كل مجتهد مصيب لجواز أن يكون هو المصيب، وكذا إن قلنا إن المصيب واحد؛ لأن المجتهد إذا كان يجوز خلاف ما غلب على ظنه ونظر في متمسك مخالفه، فرأى له موقعا، فينبغي له أن يراعيه على وجه، وكذا الخلاف بين المجتهدين، إذا كان أحدهما إماما لما في المخالفة من الخروج (على) الأئمة، وقد صح عن ابن مسعود (- رضي الله عنه -) أنه عاب على عثمان (- رضي الله عنه -) صلاته بمنى أربعا وصلى معه، فقيل له في ذلك فقال: الخلاف شر.
قال الشيخ أبو محمد بن عبد السلام في القواعد أطلق بعض أكابر الأصحاب، قيل ويعني به (ابن أبي هريرة) أن الخروج من الخلاف حيث وقع أفضل من التورط فيه، وليس كما أطلقه، بل الخلاف أقسام.
الأول: أن يكون في التحليل والتحريم فالخروج من الخلاف (بالاجتناب) أفضل.
الثاني: أن يكون الخلاف في الاستحباب والإيجاب، فالفعل أفضل.
الثالث: أن يكون الخلاف في الشرعية، كقراءة البسملة في الفاتحة، فإنها مكروهة عند مالك (- رحمه الله -) واجبة عند الشافعي (- رحمه الله -) ، (وكذلك صلاة الكسوف على الهيئة المنقولة في الحديث) ، فإنها سنة عند الشافعي (- رحمه الله -) وأنكره أبو حنيفة "، " فالفعل أفضل.
قال والضابط أن مأخذ الخلاف، إن كان في غاية الضعف، فلا نظر إليه لا سيما إذا كان مما ينقض الحكم بمثله، وإن تقاربت الأدلة، بحيث لا يبعد قول المخالف كل البعد، فهذا مما يستحب الخروج منه حذرا من كون الصواب مع الخصم انتهى.
قلت: لمراعاته شروط: أحدها: أن يكون مأخذ المخالف قويا، فإن كان واهيا لم " يراع " - كالرواية المنقولة عن أبي حنيفة " - رضي الله عنه - " في بطلان الصلاة برفع اليدين، فإن بعضهم أنكرها وبتقدير ثبوتها لا يصح لها مستند"
وقال السبكي في الأشباه والنظائر : وأنا أجيب عن هذا بأن أفضليته ليست لثبوت سنة خاصة فيه بل لعموم الاحتياط والاستبراء للدين، وهو مطلوب شرعا مطلقا؛ فكان القول بأن الخروج أفضل ثابت من حيث العموم، واعتماده من الورع المطلوب شرعا فمن ترك لعب الشطرنج معتقدا حله خشية من غائلة التحريم فقد أحسن وتورع إذا عرفت هذا فأقول: ليس الخروج من الخلاف أولى مطلقا، بل بشرطين أحدهما: أن لا يؤدي الخروج منه إلى محذور شرعي من ترك سنة ثابتة أو اقتحاما أمر مكروه أو نحو ذلك ومن ثم مسائل.
وقال ابن عابدين الحنفي في حاشية المختار: بل ينبغي أن يندب الدعاء بالمغفرة بين السجدتين خروجا من خلاف الإمام أحمد لإبطاله الصلاة بتركه عامدا ولم أر من صرح بذلك عندنا، لكن صرحوا باستحباب مراعاه الخلاف.
وقال ابن قدامة الحنبلي في المغني : إذا ثبت هذا، فالأولى أن لا تصلى إلا بعد الزوال؛ ليخرج من الخلاف.
وقال الباجي المالكي في المنتقى : فإن قلنا بقول مالك ووقع الإنقاء بأقل من ثلاثة أحجار فإنه يستحب له أن يكمل ثلاثة أحجار ليخرج من الخلاف.
=
=
وفي عمدة القاري شرح صحيح البخاري : وَقَالَ الْأَثْرَم: قلت لِأَحْمَد: الرجل يُصَلِّي أَرْبعا فِي السّفر؟ قَالَ: لَا، مَا يُعجبنِي. وَقَالَ الْبَغَوِيّ: قَالَ الشَّافِعِي: هَذَا قَول أَكثر الْعلمَاء. وَقَالَ الْخطابِيّ: الأولى الْقصر ليخرج من الْخلاف .
وقال ابن الهمام الحنفي في فتح القدير : وقال المشايخ: ينبغي أن لا يصلى العصر حتى يبلغ طولي الشيء ولا يؤخر الظهر إلى أن يصير طوله ليخرج من الخلاف فيهما.
وقال اللخمي المالكي في التبصرة : ومن ترك المضمضة أو الاستنشاق أتى بما ترك، ولم يستأنف الوضوء ولم يعد الصلاة إن كان ناسيًا. واختلف في المتعمد، فقيل: لا إعادة عليه، وقال ابن القاسم في "العتبية": أحب إلي أن يعيد ما دام في الوقت
قال الشيخ -رحمه الله- والإعادة في العمد والنسيان أحسن وأحوط ليخرج من الخلاف ومن القول أنهما فرض.
وفي المعونة على مذهب أهل المدينة : ثم عدنا إلى أصل التقسيم فقلنا: وأما ما ابتيع من الطعام جزافًا أو مصبرًا فيجوز بيعه قبل نقله إذا خلَّى البائع بينه وبينه خلافًا لأبي حنيفة والشافعي لقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا})، وروى ابن عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نهى أن يبيع أحد طعاما اشتراه بكيل حتى يستوفيه" فدل أن الجزاف بخلافه، ولأن الجزاف ليس فيه توفية، فإذا وجدت التخلية لم يبق وراءها توفية تطلب، فجاز بيعه كالمكيل إذا قبض، وقد استحب مالك رحمه الله أن يباع بعد نقله ليخرج من الخلاف ويحتاط للعقد.
عدد من النقولات مستفادة من مقال مَُاعَاةُ الخِلافِ في الاجْتِهَادِيّات
دراسة أصولية للكاتب عبد الرحمن بن معمر السنوسي ( منشور في مجلة البيان العدد رقم 151 ) وفِي مقاله مزيد نقولات وبيان .
ولو راعى متتبعي الرخص هذا الفقه في الفتوى لأراحونا من جدل طويل وذلك أنهم ما اكتفوا بالخلافيات حتى صاروا يبيحون المحرمات بالأقوال الشاذة والضعيفة والتلفيق بل يأتي إلى أمر يعلم يقيناً أن العامة لا يفعلونه إلا تشبها بالكفارر أو لا يفعلونه إلا ويتذرعون به إلى محرمات يقينية ويبيحه لهم بالشبه ثم لا يكتفي حتى يستخدم لغة استنقاصية للمخالفين.
خلل منهجي لا بد من إصلاحه
لو أن مالكياً وحنبلياً اختلفا في مسألة واحتج الحنبلي على المالكي بقياس وبقول صحابي لا يعلم له مخالف واشتد على المالكي لأنه يدفع هذه الحجج ويتمسك بالبراءة الأصلية
فجاء رجل ظاهري وقال للحنبلي أنت شديد وتبالغ فلم تحتج على المالكي بحجة تصلح حتى تلزمه هذا الإلزام
فأجاب الحنبلي : ما كان لك أيها الظاهري أن تفصل بيننا وذلك أنني أحتج على المالكي بالقياس وبقول صاحب لا مخالف له وكلاهما حجة على أصولي وأصوله ولكنهما ليسا حجة على أصولك
ولو كلمت المالكي في حجية القياس وقول الصاحب الذي لم يخالفه مثله لوجدت أنه يشنع عليك أشد من تشنيعي عليه
فليس لك أن تنصب نفسك حاكماً بيننا في أمر مبني على أصول متفق عليها بيننا وأنت لا تقر بها وكلانا يغلطك في هذا
كما أنك لو احتججت علي بحديث صحيح في كتب أهل السنة ورأيتني أخالفه ستشتد علي فلو جاء رافضي وأنكر عليك لأنه يؤمن بالصحيح من أحاديث أهل السنة لأجبته بنحو مما أجبتك به
أقول : هذا الخلل المنهجي الذي وقع فيه الظاهري يقع فيه الإنسانيون والعالمانيون والملاحدة بشكل مستمر فتجدهم يشنعون على تعامل أهل الإسلام مع أهل الأديان الأخرى بناء على مقدمات لا يقر بها أهل الأديان كلهم مثل عدم وجود دين صحيح ولهذا لا اعتبار لأحكام الولاء والبراء على أساس ديني بل كثير منهم يصرح أنه لا توجد حقيقة
وتجدهم على سبيل المثال يتذمرون من وجود الرسالة في بلاد العرب ، مع أن بقية أهل الأديان لا مشكلة عندهم في عامتهم أن يخص قوم دون قوم بالرسالة فالله أعلم حيث يجعل رسالته بل عامة المؤمنين بإله يتهمون البشر ويقولون لماذا لا يبحثون عن الحق بدلاً من اتهام الإله في حكمته كما يفعل الزنادقة ؟
ولهذا تجد أن كثيراً من حجج القرآن والسنة على أهل الأديان الباطلة مبنية على مقدمات يسلمون بها فيأتي اللاديني ويحاكمها بناء على أنه لا يسلم بشيء من هذه المقدمات ولو أراد النقاش فيها لوجد المسلم أمامه وأصحاب الأديان الأخرى أيضاً ولردوا عليه بالكثير من الكلام المفحم ويعتري ذلك من الحجاج الضعيف ما يعتريه
ومن الخلل المنهجي الفاشي عند الكثير ممن يتكلم في القضايا السياسية وشكل الدولة ويحاكم بعض المفاهيم الشرعية أنهم مأسورون داخل نموذج الدولة الحديثة وهذه الدولة في مقدماتها لا تجعل الدين وشعائره أولولية مقدمة على الحدود الجغرافية التي من خلالها يتم حصر السكان والموارد ولهذا فشل نموذج معاصر معين يشبه الدولة الإسلامية القديمة من بعض الوجوه ويخالفها في هذا الأصل الكبير ، لا يعني فشل النموذج الإسلامي الكامل الذي يخالف الدولة الحديثة في العظم والأساس ولكن قومنا مأسورون داخل الصندوق الغربي هذا النوع من الرق الفكري معيق عن الصواب أيما أعاقة
وما يقال عن الدولة الحديثة يقال عن الامبراطوريات الامبريالية التي كانت تتوسع استعمارياً وتحول البلدان المستعمرة إلى مزارع يأتي فيئها إلى الدولة المركز ولكن هذا الفيء مجحف في حق أهل هذه المزرعة أنفسهم الذين يجدون أنفسهم دائماً من الدرجة الثانية ولا سبيل إلى الخروج من ذلك إلا بترك البلاد واللحاق بالدولة المركز ( وهذا في مرحلة متأخرة وإلا في المراحل المتقدمة كان حتى هذا لا يجدي ) ولا زالت هذه الامبراطوريات حتى بعد دخول الضعف عليها ووهنها أمام الثورات المتكررة تستفيد من مستعمراتها السابقة بطرق مختلفة ، وعليه فأمبراطورية مبنية على هذه الأسس المبنية على نظرية التفوق العرقي لا توضع في سياق واحد مع دولة تقوم على أساس ديني ووحدة هدف بين عامة سكان الدولة بناء على نظرة عقائدية موحدة وهذه النظرة يمكن لأي إنسان اللحاق بأهلها أيا كان عرقه لذا درجة الاحتواء في هذا النموذج أعلى بكثير منها في نموذج الامبراطوريات الامبريالة والتاريخ شاهد على ذلك.