كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

برد ونار فيها سلام

المصدر
برد ونار فيها سلام في هذا الوقت من العام حيث يخيم البرد ويلجأ الناس للاقتراب من المدفئة لإذهاب البرد، تلك النار التي لطالما هابها الناس يجدون فيها ملاذا في هذه الأيام. خطرت لي خاطرة تتعلق باجتماع هذه الثلاثة (النار والبرد والملاذ) ولنضع مكان الملاذ السلام. أتذكر هنا ثلاثة أخبار: خبر إبراهيم؛ وخبر أهل الفترة؛ وخبر الدجال، حيث اجتمعت تلك الثلاثة في هذه الثلاثة. قال تعالى : {قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (69)}. وقال عبد الرزاق في تفسيره: "1541- عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: «إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة والمعتوه، والأصم، والأبكم، والشيوخ الذين لم يدركوا الإسلام، ثم يرسل رسولا إليهم أن يدخلوا النار»، قال: "فيقولون: كيف ولم يأتنا رسول؟ قال: «وايم الله لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما، ثم يرسل إليهم فيطيعه من كان يريد أن يطيعه» قال: ثم قال أبو هريرة: "فاقرءوا إن شئتم {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15]". تأمل (برداً وسلاماً) كنار إبراهيم. وقال مسلم في صحيحه: "104- (2934) حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ومحمد بن العلاء، وإسحاق بن إبراهيم - قال إسحاق: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا - أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدجال أعور العين اليسرى، جفال الشعر، معه جنة ونار، فناره جنة وجنته نار». فنار الدجال (برد وسلام). مواطن العطب عند الناس تأتي: 1_ من قلة الصبر على بيان الحق، والابتلاء الواقع في ذلك. وهنا تأمل صبر إبراهيم على الابتلاء، فكانت النار له برداً وسلاماً، وكم من إنسان يشاهد نار الابتلاء ظاهرياً ولا يدري أنه لو صبر تكون برداً وسلاماً، فقعقعة الخصوم وإرجاف المرجفين إن صبر واحتسب لا تنال منه إلا كما نالت النار من إبراهيم، ويبقى الأجر ويذهب كل ذلك. 2_ ومن تقديم الرأي على النص. وهنا تأمل حال أهل الفترة لو استسلموا للظاهر لقالوا كيف ندخل في النار؟ ولكن الآمر هو رب العالمين الحكيم، السلام سبحانه فلا يأمر إلا بما يأتي بالسلام. فإن سلموا فيعلم من ذلك أنه لو جاءتهم الرسالة لسلموا لها، وإن كان فيها ما فيها من الابتلاء، وما تحاذقوا عليها بعقولهم. وإن لم يسلموا فهذا يبين حالهم إن جاءتهم الرسالة، وانهم سيتحاذقون. 3_ ومن عدم الصبر على الشهوات العاجلة. وتأمل هنا نار الدجال مع جنته. نار إبراهيم؛ ونار أهل الفترة؛ ونار الدجال. نحن نعيش أموراً من جنسها فكم منا من شخص رأى في الابتلاء الناشيء عن قول كلمة الحق ناراً فأحجم. وكم منا من لم يصبر عن التحاذق على النصوص، فما لم يفهم حكمته ورأى فيه ضرراً حاضراً عارضه، ولم يّسلّم له فهلك. وكم منا من لم يصبر على جنة أرضية وهمية تحرمه من جنة حقيقية فيها الخلد. والسعيد من صبر واعتبر، هذه إيقاظة فحسب؛ والموفق من عصمه الله بمنه وكرمه، ورزقه العمل مع البصيرة.