=
=
قال الطرطوشي في البدع والمحدثات: "وروى ابن وضاح عن زيد بن أسلم؛ قال: "ما أدركنا أحدا من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى النصف من شعبان، ولا يلتفتون إلى حديث مكحول، ولا يرون لها فضلا على ما سواها".
وقيل لابن أبي مليكة: إن زيادا النميري يقول: إن أجر ليلة النصف من شعبان كأجر ليلة القدر. فقال: "لوسمعته وبيدي عصا؛ لضربته".
وذكر ابن شامة في الباعث فتيا لابن الصلاح يقول فيها: "وأما ليلة النّصف من شعبان فلها فضيله واحياؤها بالعبادة مستحب ولكن على الانفراد من غير جماعة واتخاذ الناس لها وليلة الرغائب موسما وشعارا بدعة منكرة وما يزيدونه فيهما على الحاجة والعادة من الوقيد ونحوه فغير موافق للشريعة والألفيه التي تصلي في ليلة النصف لا أصل لها ولا أشباهها ومن العجب حرص النَّاس على المبتدع في هاتين الليلتين وتقصيرهم في المؤكدات الثابتة عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والله المستعان والله أعلم".
وقال البدر العيني في نخب الأفكار: "فإن قيل: الصوم في شعبان قد جاء فيه أحاديث صحيحة، ولكن الصلاة التي يصلونها ليلة النصف ما حكمها؟ وهل لها أصل؟ قلت: ذكر أبو الخطاب أن الأحاديث التي في صلاة النصف منه موضوعة، وفيها حديث عند الترمذي مقطوع، وقد قال أهل التعديل والتجريح: ليس في ليلة النصف من شعبان حديث يصح، وذكر الطرطوشي في كتاب "الحوادث والبدع" عن أبي محمَّد القدسي: لم يكن عندنا ببيت المقدس قط صلاة الرغائب هذه التي تصل في رجب وشعبان، وأول ما حدثت عندنا في سنة ثمان وأربعين".
وقال السيوطي في الأمر بالاتباع: "بيان بدع ليلة النصف من شعبان ومن ذلك صلاة الألفية ليلة النصف من شعبان، وهي صلاة طويلة مستقلة لم يأت فيها خبر ولا أثر ضعيف. وللعوامّ بها افتتان كبير والتزام سيما بكثرة الوقيد في جميع مساجد البلاد، ويجري فيه من الفسوق والعصيان، واختلاط الرجال والنساء، ومن الفتن المختلفة والمنكرات، ما شهرته تغني عن وصفه وأصلها ما حكاه الطرطوشي فيما تقدم".
وقال عبد الرزاق في المصنف: "7928 - أخبرنا معمر، عن أيوب قال: قيل لابن أبي مليكة: إن زيادا المنقري، وكان قاصا يقول: إن أجر ليلة النصف من شعبان مثل أجر ليلة القدر، فقال ابن أبي مليكة: «لو سمعته يقول ذلك وفي يدي عصا لضربته بها»".
وهذا إسناد قوي إلى ابن أبي مليكة وهو تابعي معروف فكأنه أنكر أمر الفضل.
وذكر الفاكهي في أخبار مكة أن أهل مكة كانوا يحيون ليلة النصف من شعبان، وهو أقدم من ذكر أمر الإحياء الجماعي غير أن ذكر ابن وضاح للأمر في البدع يبين أن الإنكار أيضاً كان قديماً.
وقال المروذي في كتاب الورع: "545 - قلت لأبي عبد الله إن رجلا من أهل الخير قد تركت كلامه لأنه قذف رجلا بما ليس فيه، ولي قرابة يشربون المسكر ويسكرون، وكان هذا قبل ليلة النصف من شعبان. فقال اذهب إلى ذلك الرجل حتى تكلمه فتخوف علي من أمر قرابتي أن آثم
وإنما تركت كلامهم أني غضبت لنفسي. فقال اذهب كلم ذاك الرجل ودع هؤلاء، ثم قال أليس يسكرون. وكان الرجل قد ندم".
أقول: ذكر المروذي مشاحناته للإمام أحمد قبل ليلة النصف من شعبان دليل على أنهم يقولون بفضل هذه الليلة، وما ورد أنه يغفر لكل أحد إلا مشرك أو مشاحن، فكلم أحمد في الذين يصح له هجرهم والذين لا يصح له هجرهم.
وهذه هي العبادة الآكد في النصف من شعبان، وهي مصالحة من بينك وبينه مشاحنة، وقد نص عليها في الأخبار على اختلاف الناس في صحتها، غير أن الآثار في ذلك محتملة، ويكثر جدل الناس في الأمور المختلف فيها ويتركون هذه الثابتة.
ذكرت هذا البحث كاملاً لئلا تغتر بدعاوى الاتفاقات المتوسعة، أو البحث المختزل حين يأتيك بكلمة لحنفي وأخرى لمالكي وثالثة لشافعي ورابعة لحنبلي وكلهم متأخرون ثم يقول لك المذاهب الأربعة على كذا وكذا، وتتوهم الاتفاق. ولتعلم أن الناس ربما فرطوا في الفاضل المتفق عليه أو الخلاف فيه ضعيف وتشبثوا بما فيه شبهة إحداث قوية، وبعض الناس يفعل ذلك مناكفة لخصومه فحسب.