الكثير ممن يتكلم عن تاريخ الكنيسة من المسلمين
الكثير ممن يتكلم عن تاريخ الكنيسة من المسلمين
يثني على موقف مارتن لوثر -مؤسس البروتستانتية- تجاه صكوك الغفران والبابوية
ومن وجهة نظري هذا الأمر يحتاج إلى مراجعة جادة
وذلك أن الكاثوليك والأرذوكس يؤمنون بأسرار الكنيسة السبعة ومنها سر الاعتراف
وهو أن يذهب المسيحي ( النصراني ) المذنب إلى الكنيسة ويعترف هناك بذنبه ويقوم الكاهن أو الراعي بوعظه وربما طلب منه بعض الأمور ثم يمنحه التوبة والغفران ويعمده
يدعي عدد من الباحثين أن مارتن لوثر لم يعترض على هذا ولا حتى كالفن ( تلميذه ) غير أنه لم يره الزاميا
يقول كالفن: " يكون الاعتراف خاصًا لله وحده، أو لرعاة الكنيسة اختياريا بهدف الراحة والشعور بتأنيب الضمير، أو عامًا أمام الكنيسة كلها" (تاريخ الكنيسة لجون لوريمر ، الكتاب الثالث، فقرة 48)
وإنما وجه الانتقاد على الكنيسة الكاثوليكية في صكوك الغفران حيث صارت تعطي المغفرة لكل من يدفع المال عن طريق صك دون ممارسة سر الاعتراف بطقوسه المعتادة
وأتباع مارتن الْيَوْم ينكرون سر الاعتراف مطلقا
ولكن المشكلة أن مارتن لوثر أنكر صكوك الغفران ولم يقل بالتوبة والعمل الصالح اللازم لزوال الذنب ولكنه جاء ببدعة أسوأ منها ألا وهي عقيدة أن التبرر يكون بالإيمان فقط
بمعنى أنك بمجرد إيمانك بالمسيح فإن دخولك الملكوت مضمون بدون أي عمل ولست بحاجة إلى اعتراف أو صكوك بل الله يقبلك كما أنت مطلقا مهما فعلت من البلايا بمجرد كونك مسيحيا على عقيدته
وهذا بتقديري أسوأ من صكوك الغفران لأن صكوك الغفران تحتاج إلى مال والمال حبيب للنفوس لذا قد يترك بعض الناس الخطايا لكي لا يضطر لدفع المال ولكن مع عقيدة مارتن لا حاجة لكل ذلك فأنت مغفور لك قبل الذنب
ولهذا يقول بعض الباحثين الفضلاء أن أخف دين على الإطلاق هو الدين البروتستانتي لأنه لا أعباء فيه نهائيا ( وأقول هو صادق غير أنه يعكر على ذلك كثرة جدلهم فيما بينهم وكثرة تكفيرهم لبعضهم البعض إذ أدمنوا الجدل بعد فقدان العمل كل الناس يتجادلون ولكن هؤلاء يخوضون في تفاصيل التفاصيل على أنها الثوابت المطلقة )
قد يقول قائل : أليست هذه هي عقيدة المرجئة المنتسبين للملة القائلين لا يضر مع الإيمان ذنب
فأقول : في الواقع حتى المرجئة لم يصلوا إلى هذا المستوى فهم يقولون أن كل ذنب دون الكفر إن كان كبيرة فالمرء تحت مشيئة إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر الله ويلزمه في الدنيا التوبة النصوح لكي يغفر ذنبه ( وهم في ذلك يلتقون مع أهل السنة ) ولكنهم يغلطون فيقولون أن هذا الفاسق مؤمن كامل الإيمان وأن توبته لا تزيده إيماناً وإنما فقط تدفع عنه التبعة وغلاة المرجئة هم الذين لا يجعلون قول اللسان مع القدرة شرطا لصحة الإيمان المنجي في الآخرة وإنما فقط لإجراء الأحكام الدنيوية
وأما الْيَوْم الذي يشبه قول مارتن لوثر
قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى (7/181) :" وَهَذَا قَدْ يَكُونُ قَوْلَ الْغَالِيَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا يَدْخُلُ النَّارَ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ أَحَدٌ لَكِنْ مَا عَلِمْت مُعَيَّنًا أَحْكِي عَنْهُ هَذَا الْقَوْلَ وَإِنَّمَا النَّاسُ يَحْكُونَهُ فِي الْكُتُبِ وَلَا يُعَيِّنُونَ قَائِلَهُ وَقَدْ يَكُونُ قَوْلُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ"
ونسبه الشهرستاني لبعض الناس ولكن له أوهام معلومة في النقولات ولا يعتمد على ما تفرد به
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى:
ما ينقله الشهرستاني وأمثاله من المصنفين في الملل والنحل عامته مما ينقله بعضهم عن بعض وكثير من ذلك لم يحرر فيه أقوال المنقول عنهم ولم يذكر الإسناد في عامة ما ينقله.
بل هو ينقل من كتب من صنف المقالات قبله مثل أبي عيسى الوراق وهو من المصنفين للرافضة المتهمين في كثر مما ينقلونه ومثل أبي يحيى وغيرهما من الشيعة وينقل أيضا من كتب بعض الزيدية والمعتزلة الطاعنين في كثير من الصحابة.
ولهذا تجد نقل الأشعري أصح من نقل هؤلاء لأنه أعلم بالمقالات وأشد احترازا من كذب الكذابين فيها مع أنه يوجد في نقله ونقل عامة من ينقل المقالات بغير ألفاظ أصحابها ولا إسناد عنهم من الغلط ما يظهر به الفرق بين قولهم وبين ما نقل عنهم حتى في نقل الفقهاء بعضهم مذاهب بعض فإنه يوجد فيها غلط كثير وإن لم يكن الناقل ممن يقصد الكذاب بل يقع الغلط على من ليس له غرض في الكذب عنه بل هو معظم له أو متبع له )).
والخلاصة أن مارتن لوثر عالج بدعة ببدعة أشد قربت الناس من اللادينية مع اتفاقه مع خصومه على عقيدة فاسدة غاية هي أفسد في العقل مما أنكر وهي عقيدة الإله المصلوب
وسبب تنبيهي هذا أن كثيرا من الناس يذكره بالثناء هنا وكثير من المنتسبين للملة يحاولون ترسمه ودائما إسقاط الحالة الغربية علينا حاضر فإذا علم الفارق الظاهر بين العقائد والممارسات استبان فساد القياس