كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= الشأن اليوم ليس في أن تعتقد اعتقادًا معينًا وإنما الشأن أن توالي وتعادي عليه كما فعل أهل هذا الاعتقاد الأوائل ، غالبًا يتركز الخوفُ من التراث العقدي اليومَ في هذه المنطقة، منطقة الحكم على المخالف أو التعامل معه بما لا يناسب رؤى الكثيرين. يُحسِن الكثير اليوم ادعاء الإنصاف والحياد، والواقع أن كل ما في الموضوع أن أصوله غير أصولك، فينعى عليك التشديد في (أصولك) ويُظهِر هو التسامح فيها لأنها عنده فروع، ولكن في (أصوله) هو يصنع كل ما ينعاه عليك، وهذه لعبة مارسها العالمانيون وقلدهم مَن قلدهم من أبناء الحركة الإسلامية. اليوم حين تجد عالمانيًّا يدين صور (التعصب الديني)، فإن ذلك لا يكون منه حبًّا في الإنصاف وإنما لأنه يرى الدين أقل من أن يُتعصب له، وإذا أدان الأحكام على المخالفين فليس من باب الورع فليس أورعَ من السلف ومفهوم الورع أصلًا لا حضور له عنده، وإنما لأنه يرى القضايا العقدية أقل من أن تكون محل حكم. لهذا حين تحارب (الغلو) عليك أن تتأكد من سلامتك من النزعة التي ذكرتها أعلاه، وتتأكد أيضًا أنك تنطلق من بحث علمي لا مجرد هروب من تهمة أو صورة نمطية أو حرب شخصية على عروش وهمية أهلك السعي وراءها كثيرًا ممن كان ينبغي فيهم الصلاح. وأيضًا فكرة (البحث الأكاديمي) التي أغرت الكثيرين بالحياد المزعوم هي لا تنطلق من تعظيم الحقيقة بل تنطلق من استحالة الوصول للحقيقة. حسن أن تفهم الأقوال كلها وحسن أن ترتب حججك بشكل جيد ولا تظلم خصمك وتقول كلمة الحق وتكتب ما لك وما عليك، ولكن تراثنا ليس خلوًا من هذا حتى تستورده من الغرب، فربما وجدت المحدث يقول لك: (لا يصح في ذم الرافضة حديث) والرافضة أبغض الخلق إليه، ويقول لك (لا يصح في فضل الصحابي فلان حديث) (يعني الفضل الخاص) وهذا الصحابي أحب إليه من أهله وماله، وتجده يفتي بالفتيا ثم يقول لك: (لا يصح في التسليمة الواحدة حديث) مثلًا، وتجد هذه المسألة فيها إجماع بناءً على فتاوى الصحابة ولكن يحمله التجرد على التنبيه على أنه لا يصح حديث، وتجد أحدهم يوثق القدري ويضعف السني الإمام، وغيرها من مظاهر الإنصاف المذهلة. الإنصاف لا يساوي البرود واختفاء الولاء والبراء، بل لا يقال منصف حتى تكون واضح الهوية يُعرف مَن خصمك ومَن صديقك، وكثير من الأحوال الأكاديمية هي مجرد تظاهر، فتجد المرء منهم ينقل المذاهب المختلفة ثم يرجح بنزعة لا علاقة لها بالبحث، تأمل أبحاث الأسماء والأحكام تجد الأمر جليًّا، وبعضهم إن كان خصمه ضعيف البينة أطنب في ذكر كلامه وحججه، وإن كان خصمه قوي الحجة استخدم ضده طريقة دعائية فيها تشويه وحيف، وذلك يذكرني بأثر عن الشافعي ذكره البيهقي في المناقب أن بعض الكوفيين قال له عامي أنا أعرف إذا كانت معك الحجة تكون هادئًا وإذا كانت الحجة لخصمك تقوم باللجاج لكي لا ينتبه الناس لحجتك (هذا معنى الأثر).