كيف وصلن إلى هذه المرحلة؟
كيف وصلن إلى هذه المرحلة؟
كتب الأستاذ الحبيب بدر الزبرقان المغربي ما يلي:
"بعدما قام العديد من الأصدقاء بنشر خبر وجود حملة لتعديل المادة ٤٩ من قانون مدونة الأسرة، أردت بفضول معتاد معرفة الجهة الرئيسية التي تقف وراء هذا المطلب والتي تقوم بهذه الحملة، والنتيجة:
الحملة أطلقها منتدى الزهراء للمرأة المغربية، هذا المنتدى يعرِّف نفسَه بأنه هيئة وطنية نسائية حقوقية وثقافية تشتغل على قضايا المرأة والأسرة بمقاربة ''تجديدية'' تنطلق من المرجعية الإسلامية وتنفتح على الكسب الإنساني العالمي، وهو معتمد لدى المجلس الاقتصادي والاستشاري بالأمم المتحدة.
كل العضوات تقريبًا يلبسن ''الحجاب''، وكل الندوات والمحاضرات التي تتم تبدأ بقراءة آيات من الذكر الحكيم، قبل الشروع في الحديث عن تجريم زواج القاصرات، و تشريع قوانين ما أنزل الله بها من سلطان، حول اقتسام الثروات بين الزوجين عند الطلاق!! المنتدى يضم وجوهًا نسائية معروفة بانتسابها لحزب معين، وأيضًا العديد من قريبات شخصيات دعوية مغربية ''إسلامية'' مشهورة..
للإشارة، مشروع تعديل المادة ٤٩، هو مشروع يدعو إلى اقتسام جميع الممتلكات بعد إبرام عقد الزواج بين الزوجين في حالة وقوع الطلاق".
أقول: الحزب المقترِح لهذا القانون هو حزب العدالة والتنمية، والذي يُفترض أنه حزب إسلامي.
هل هذه ضمن أمثلة (العلمنة من الداخل)؟ وهل هذه حالة فريدة أم أن الأمر له مبادئ وتداعيات أوصلت الأمر لهذا السياق؟
هؤلاء الفتيات المحجبات بدأ أمرهن بطلائع كانت تريد العمل للإسلام، ويخيِّم عليها أحلامٌ عظيمة في بعث الأمة، ولكن بعث الأمة هذا ليس بعثًا لشيء قريب مما كان في الدولة الأموية أو العباسية أو ما بعدها، بل في الغالب يرون أنهم يريدون نموذج الخلافة الراشد، وأنهم سينجحون بما فشل به كل هؤلاء مجتمعيًّا وسياسيًّا، وليس الأمر كذلك، بل النموذج الذي في أذهانهم يريدون به أن يجمعوا حسنات النموذج الغربي وحسنات النموذج الراشدي دون أي مساوئ جانبية، هذا هو النموذج الدارج في الرؤية الحركية التقليدية.
ولكي أقرِّب المعنى سأذكر نصين لمحمد الطاهر بن عاشور، وهو شخصية ملهمة للكثير منهم، وكثيرون ينصحون بتفسيره نُصحًا فيه إطراء شديد.
"الفتوى رقم (٩٠) مسألة تعدد الزوجات.. التعدد مباح، وإنه يجوز بصورة محققة، ولوليّ الأمر أن يمنع الناس من فعل هذا المباح لوجود مضرّة فيه"!
(فتاوى محمد الطاهر بن عاشور، جمع وتحقيق: محمد بن إبراهيم بوزغيبة، مركز جمعية الماجد للثقافة والتراث-دبي، الطبعة الأولى: ١٤٢٥هـ-٢٠٠٤م، ص٣٦٤.)
يقول ابن عاشور في كتابه [أصول النظام الاجتماعي في الإسلام] ص ١٧٢:
"وفيما عدا ما هو معلوم من الدين بالضرورة من الاعتقادات، فالمسلم مخيّر في اعتقاد ما شاء منه إلا أنه في مراتب الصواب والخطأ. فللمسلم أن يكون سنيًّا سلفيًّا، أو أشعريًّا أو ماتريديًّا، وأن يكون معتزليًّا أو خارجيًّا أو زيديًّا أو إماميًّا. وقواعد العلوم وصحة المناظرة تميّز ما في هذه النحل من مقادير الصواب والخطأ، أو الحق والباطل. ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة".
قد لا تظهر علاقةٌ بين النصين السابقين للطاهر بن عاشور، ولكن في حقيقة الأمر بينهما علاقة وثيقة.
كما قلنا، النموذج الغربي هو نموذج ممدوح في الذهن نسبيًّا، نحن نريد محاسنه مع الحفاظ على الهوية الإسلامية بالجملة، فنريد جمع الحسنيين.
وأكثر ما تأثر به الناس في أمر الغرب هو تعظيم الإنسان وتعظيم حقوقه، وقد كان الناس قبل التأثر بالغرب يعظمون المسائل التي تتعلق بأسماء الله وصفاته أكثر من أي شيء آخر، حتى أنهم يتكلمون في ذم الجهمية بأكثر مما يذمون به المرجئة والخوارج.
ولكن لما تأثر الناس بهذه الدواخل، ومنهم إسلاميون، صار الناس يضِيقون ذرعًا بالخلافيات القديمة في باب الصفات والقدر والإيمان والصحابة ما لم يوجد لهذه الخلافيات أي مدخل سياسي واقتصادي واجتماعي.
وهذا هو سبب فتيا الطاهر بن عاشور التي تتعلق بالمذاهب وأنه يجوز أن تتمذهب بأي مذهب عقائدي، وجعل الخلافيات العقائدية بمنزلة الخلافيات الفقهية. ودعَمَ هذه النظرة كلمةٌ كانوا يرددونها عن صراع الكنائس وأن الغرب ما تقدموا إلا لما نبذوا هذه الصراعات واتحدوا (ثم ماذا؟ أليس فشا فيهم الإلحاد؟).
وصارت هناك نفرة شديدة من كلام العلماء القديم في التكفير والتبديع العقائدي، فمِن الناس مَن يردُّه صراحةً، ومن الناس من يزعم أنه أحكام تاريخية تغيَّرت بتغير الزمان، وهذه الأصول هي نفسها التي يستخدمها العالمانيون في مسائل أخرى وينكر هؤلاء عليهم.
المرحلة التي وصل إليها الطاهر بن عاشور مرحلة متقدمة، وهناك غيره قوله أهون، ولكن كلهم يشتركون بمجانبة أحكام السلف واعتبارها غلوًّا مدمِّرًا، مع كونهم إذا ردُّوا على العالمانيين يُظهرون التعظيم للسلف ولإجماعاتهم وأقوال جماهيرهم.
=
=
وقد توجد قراءات لكلام السلف فيها ضرب من الغلو، بل هذا حاضر، ولكن هذا الغلو على سوئه أهون من تجهيل السلف ورمي من يتبعهم أنه يفتح بابًا للغلو والخارجية، وأهون من ضلال من ضلَّ في باب الصفات والقدر والإيمان بما عدَّه السلف بدعةً مغلَّظة أو كفرًا.
وعادة هم يخلطون بين المقامات، فالحكم الشديد مذموم مطلقًا عندهم، لا فرق بين شيء قامت عليه أدلة أو كان اجتهادًا علميًّا معتبرًا أو كان خطأ اجتهاديًّا أو كان بدعة خفية أو كان ضلالًا واضحًا.
وقد وقع هذا تاريخيًّا، حتى اتُّهم الإمام أحمد بأنه خارجي لأنه يكفر الواقفة.
فقد روى الخلال في السنة ١٨٠٤ بسند صحيح عن الإمام أحمد قصة طويلة في الواقفة وفيها:
"ويَدعُون إلى هذا القول، أن لا يقال: مخلوق ولا غير مخلوق، ويعيبون من يكفر، ويزعمون أنَّا نقول بقول الخوارج. ثم تبسَّم أبو عبد الله كالمغتاظ".
أي أن أحمد اغتاظ من هؤلاء الواقفة الذين رموا أحمد في تكفيره للجهمية وقولِه غير مخلوق بالخارجية! وسبحان الله ما أشبه الليلة بالبارحة! اليوم يقال هذا عمن يكفر منكِر العلو.
وأيضًا ابن القيم اتهمه الجهمية الأشعرية بأنه على مذهب الخوارج.
من لي بشبه خوارج قد كفروا ~ بالذنب تأويلا بلا إحسان
ولهم نصوص قصروا في فهمها ~ فأتوا من التقصير في العرفان
وخصومنا قد كفرونا بالذي ~ هو غاية التوحيد والإيمان
ومن العجائب أنهم قالوا لمن ~ قد دان بالآثار والقرآن
أنتم مثل الخوارج وأنهم ~ أخذوا الظواهر ما اهتدوا لمعان
وما قيل في الشيخ محمد بن عبد الوهاب معروف.
واليوم في زمن تعظيم حق الإنسان صار هناك توسُّع في هذا الوصف وغيره من الأوصاف العلمية، مع التقصير في الأوصاف المتواترة عن السلف مثل التكفير في باب الصفات.
أما فتيا الطاهر بن عاشور الثانية المتعلقة بتجويز أن يمنع الحاكم تعدد الزوجات للمصلحة (وإلى اليوم في تونس التعدد ممنوع، ولا شك أن هذا الموقف مهَّد لهذا الصنيع) فبابها أيضًا الإعجاب بالنموذج الغربي في باب المرأة، ولكن مع محاولة إيجاد نموذج إسلامي خاص يجمع الحسنيين، مع استحضار المعنى السابق في أن المسائل التي فيها مدخل لحقوق البشر هي أهم المسائل.
فهذا كله جعل عددًا من الحركات الإسلامية تتغرب شيئًا فشيئًا، تارة باسم المصلحة وتارة باسم الاجتهاد وتارة بقراءات مجتزأة من التراث، كل ذلك لتحاكي المرأة المسلمة نموذج المرأة الغربية التي خرجت للعمل لدواعٍ اقتصادية معروفة.
ولكنهم على كثرة ترديدهم لتلك الكلمة (نخشى أن يفتح بابًا) فتحوا هم باب التغرب، وصارت الكثير من المناضلات باسم الإسلام يفكِّرن بعقليةٍ حقوقيةٍ متأثرةٍ إلى حد كبير بالنسوية الغربية مع حفاظهن على الحجاب وشعارات نهضة الأمة!
وهكذا صار العمل لأجل الأمة على غير الاتباع بابًا لتغريب الأمة عقديًّا واجتماعيًّا، ولم يعقِلوا أنهم لا يمكنهم الجمع بين المتناقضات وأن النموذج الغربي هذا له ضريبة أخلاقية وعقدية دفْعُها يعني انهيار الكثير من الثوابت.
وكثير من الطيبين إذا رأوا هؤلاء يرفعون شعارات إسلامية حسَّنوا بهم الظن، والحق أن عددًا منهم خدم العالمانيين من حيث لا يشعر، وهذا نظير صنيع المتكلمين مع الفلاسفة.
=
=
حتى أن من طرائف القراءات المجتزأة لمحاولة إيجاد نموذج امرأة قوية، إبراز دور النساء الخارجيات في الزمن الأموي في عدة دراسات لما اشتهر أن الخوارج نساؤهم تقاتل كالرجال.
فمثلًا هناك دراسة للكاتبة هند يوسف مجيد بعنوان: [دور المرأة في حركة الخوارج]، وهناك دراسة بعنوان: [النساء الخارجيات ودورهن العسكري والسياسي في العصر الاموي] للطالب إياد عويد نهار الشرعة.
ومعلوم أن عددًا من الخوارج يرون لها جواز الولاية العظمى، حتى أنه من كثرة أخبار النساء الخوارج اللواتي كنَّ يخرجن ويقاتلن، أغرى ذلك الأدباء أن ينسجوا أكاذيبهم المعتادة حول كل حدث مشهور، فمن ذلك ما في كتاب الكامل لابن المبرد في أخبار زياد مع الخوارج: "وله أخرى في الخوارج، أخرجوا معهم امرأة فظفر بها فقتلها. ثم عراها. فلم تخرج النساء بعد على زياد، وكن إذا دعين إلى الخروج قلن: لولا التعرية لسارعنا".
واستحضار هذه النماذج والتركيز عليها واضحٌ ومعلوم أنه تماهٍ مع المزاج العام.
وفي الهداية من كتب أهل الرأي (تلك المدرسة التي يُكثرون علينا فيها وليتهم ينظرون فيما كتبوه):
"والعجائز يخرجن في العسكر العظيم لإقامة عمل يليق بهن كالطبخ والسقي والمداواة، فأما الشواب فقرارهن في البيوت أدفع للفتنة، ولا يباشرن القتال لأنه يستدل به على ضعف المسلمين، إلا عند الضرورة، ولا يستحب إخراجهن للمباضعة والخدمة، فإن كانوا لا بد مخرجين فبالإماء دون الحرائر".
ولا أعرف في كتب المذاهب الأخرى ما يخالف هذا، بل هذا التفصيل هو أشبه شيء بكلام الأوزاعي، وقد كان الأوزاعي فقيه أهل الشام، وأهل الشام أعلم الناس بالجهاد، وقد كان له رد على أبي حنيفة في باب السير (يعني الجهاد) وقد رد أبو يوسف صاحب أبي حنيفة على الأوزاعي ورد الشافعي على أبي يوسف، وقد سلَّم كل واحد منهم للمنقود بأشياء صححها.
وتأمَّل قولهم: "لأنه يستدل به على ضعف المسلمين"، أي يقال إن رجالهم ما قاموا بالكفاية حتى خرجت نساؤهم تترى، فترتفع معنويات العدو، ولهذا النماذج في قتال النساء كانت شاذة فاذة وعرضًا على نزاعٍ في تصحيحها وموطن الدلالة.