كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

عجيبة من العجائب: أضرار زواج الأقارب سببها الاستعمار الأوروبي!

المصدر
عجيبة من العجائب: أضرار زواج الأقارب سببها الاستعمار الأوروبي! بمناسبة الحديث في الأيام الأخيرة عن حظر زواج الأقارب في السويد وقد رأيت جماعة من (عبيد الحقل) يحاولون إلحاق أنفسهم بالسيد الأوروبي عن طريق تأييد الأمر، وتعظيم الحديث عن الضرر في الأمر، حتى رأيت بعضهم يطالب بالحبس المؤبد لمن يتزوج زواج الأقارب. ولكن اصبر علي حتى أحدثك بأساس المشكلة. أعظم الضرر الذي يزعم هو انتشار الأمراض الوراثية مثل فقر الدم المنجلي والثلاسيميا، وكلا المرضين اضطرابات وراثية، يصاب بها الطفل إذا كان الأب حاملاً للمرض والأم أيضاً حاملة للمرض والحامل غير المصاب، فهناك من يحمل المرض ولا يظهر عليه الإصابة، ومن هذا الخفاء يكمن الخطر. يمكن استدراك الأمر بالإلزام بفحص طبي قبل الزواج، ولكن القوم الذين يبيحون زواج الشواذ والدعارة والكحول يمنعون من زواج الأقارب على كل حال. لو نظرت في الدول الأكثر إصابة بفقر الدم المنجلي لوجدتهم يتمركزون في أماكن جغرافية معينة. تحتضن القارة الأفريقية نحو 66% من إجمالي المصابين بفقر الدم المنجلي عالمياً، يصيب هذا المرض حوالي 800 شخص من كل 100 ألف فرد، وتُعد أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى المنطقة الأعلى انتشاراً، حيث يولد هناك نحو 515 ألف طفل مصاب سنوياً. ولو تلاحظ الدول التي يكثر فيها هذا المرض فستجد بعضها ليس إسلامياً بل نصرانيا محضا، كأنغولا التي يضيق فيها على الأنشطة الإسلامية، والكونغو الديمقراطية ذات الغالبية المسيحية، ومعلوم أن النصارى يبتعدون عن زواج الأقارب، وتجد الأمر منتشراً في الهند، وعاصمة فقر الدم المنجلي هي نيجيريا. فيبدو أن العامل بيئي، فكيف يكون هذا، أليس السبب زواج الأقارب؟ فيقال: زواج الأقارب عامل ثانوي، فالأمر يصبح خطيراً في المجتمعات التي يكون فيها الناس حاملين للمرض، وحملهم للمرض مرتبط بانتشار الملاريا في هذه الأماكن تاريخياً. هذه المعلومة ستجدها في عدد من المواقع التطورية: يمثل "فقر الدم المنجلي" طفرة وراثية تؤدي إلى تشوه خلايا الدم الحمراء وتوفر "مناعة طبيعية" ضد الملاريا، تمنع هذه الخلايا طفيلي الملاريا من التكاثر بداخلها، مما أدى تاريخياً إلى بقاء حاملي جينات المرض على قيد الحياة في المناطق الموبوءة، وبالتالي انتشار هذا الجين عبر الأجيال. والأمر نفسه ينطبق على الثلاسيميا، فباختصار هذا الأمر وسيلة دفاعية ظهرت في أجسام الأفارقة والهنود دفاعاً ضد الملاريا. وكيف انتشرت الملاريا في هذه الأماكن؟ في ورقة بحثية عنوانها: "Colonialism, malaria, and the decolonization of global health". وثق مجموعة من الباحثين أن الأوروبيين حين وجدوا حلاً لمعضلة الملاريا استخدموها خصيصاً لصالح الأوروبيين، ولم يخدموا السكان الأصليين بذلك، بل جعلوا إصابتهم بهذا المرض مبرراً لسياسات الفصل العنصري، ولذلك يرى هؤلاء الباحثون أن الاستعمار لم يدمر البنية الاقتصادية في إفريقيا والهند فحسب بل دمر الصحة العامة. يقول الباحثون ما ترجمته: "الانطباع الذي تُولّده هذه الروايات هو أن الملاريا كانت موجودة دائمًا، وأنها لطالما خلّفت خسائر فادحة أينما وُجدت. هذا المنظور يُخفي حقيقة أكثر اكتمالًا. فالملاريا مرض تاريخي بالفعل، لكن الملاريا القديمة قُضي عليها بفعل عمليات طبيعية وعضوية تُميّز التطور. في الوقت نفسه، يركز الخطاب الحالي حول الملاريا بشكل أساسي على الطفيلي والناقل، ويستبعد باستمرار التركيز على التدابير البيئية. يذكرنا هذا بالحلول التي اقترحها روس وزملاؤه في القرن التاسع عشر، والتي تبدو وكأنها تخدم مصالحهم الشخصية، إذ يتم تجاهل الأدلة التي تثبت نجاح الاستراتيجيات البيئية في مكافحة الملاريا. من جهة أخرى، فإن نمط الملاريا كما نراه اليوم هو نتاج الاستعمار، وكانت دراسة الملاريا كما نعرفها الآن تهدف إلى حماية المصالح الاستعمارية، لا إلى مساعدة السكان الأصليين أو القضاء على المرض بشكل عام. وبالتالي، لعبت الدراسة الأكاديمية للملاريا دورًا حاسمًا في استمرار انتشار المرض، موفرةً للأوروبيين سبلًا للاستعمار بفعالية أكبر، حتى مع أن أنشطتهم عززت بيئة جديدة واسعة النطاق من الملاريا المستمرة للسكان الأصليين". فباختصار أخطر نتائج زواج الأقارب سببه وسائل دفاعية في الجسم ضد الملاريا، والملاريا الحديثة صنيعة أوروبية، وهي تتمركز في مناطق معينة اشتد فيها خبثهم، وأما الأماكن الأخرى فيكاد الأمر يختفي أو يضعف جداً. وأما الأمور الأخرى التي يذكرها اليمين ومن يوافقهم في التشديد في زواج الأقارب، مثل كون أبناء زواج الأقارب أقل فطنة، أو أحوج للرعاية الصحية، فذلك كله لا يبرر الحظر، وهذه أمور شوهدت منذ الزمن القديم، فتجد ابن قدامة في المغني يذكر عن الفقهاء استحباب نكاح الأجنبية لأن ولدها أنجب، وهذا ليس محل وفاق لكن هذا شوهد من القديم، والطريف أن دارون كان متزوجا ابنة عمه، وكثير من الناس في العصر الفيكتوري كانوا كذلك، قدرهم إبنه جورج بخمسة في المائة.