كلما كان المرء أعظم توحيداً كان استغفاره أمحق لذنوبه.
كلما كان المرء أعظم توحيداً كان استغفاره أمحق لذنوبه.
من أوائل أبواب كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب، وقد بدت لي إفادة في الموضوع ما رأيت أحداً نبه عليها بحسب اطلاعي القاصر.
قال مسلم في صحيحه: "59- (948) حدثنا هارون بن معروف، وهارون بن سعيد الأيلي، والوليد بن شجاع السكوني، قال الوليد: حدثني، وقال الآخران: حدثنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن كريب، مولى ابن عباس، عن عبد الله بن عباس، أنه مات ابن له بقديد -أو بعسفان- فقال: يا كريب، انظر ما اجتمع له من الناس، قال: فخرجت، فإذا ناس قد اجتمعوا له، فأخبرته، فقال: تقول هم أربعون؟ قال: نعم، قال: أخرجوه، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلا، لا يشركون بالله شيئا، إلا شفعهم الله فيه»".
أقول: هذا الحديث يفيد أن المرء كلما كان أعظم توحيداً كان استغفاره أمحق لذنوبه.
فإن قلت: كيف هذا؟
قلت لك: النبي ﷺ علق استجابة دعاء هؤلاء الأربعين على أنهم «لا يشركون بالله شيئاً»، وقد علم أن الناس متفاوتون في بعدهم عن الشرك.
فمنهم من هو سليم من الشرك الأكبر، وسالم من الشرك الأصغر كالرياء والحلف بغير الله والطيرة وغيرها (وأجمع كتاب جمع الشرك بأنواعه محذراً منه هو كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب).
ومنهم من يكثر التحذير من الشرك بنوعيه، والدعوة للتوحيد، فهذا الإنسان أولى بأن يقبل دعاؤه من غيره، لأنه أبعد عن الشرك من غيره.
ويدل على هذا المعنى الوارد في حديث أبي هريرة في الصحيح: «أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال لا إله إلا الله، خالصا من قلبه، أو نفسه»
ومعلوم أن كل المسلمين يقولون لا إله إلا الله، غير أن القصد من قالها وحققها تحقيقاً أعظم من تحقيق غيره.
فإن قيل: هذه البينة في كونه يقبل دعاؤه، فما البينة في كون استغفاره أمحق للذنوب؟
فيقال: إذا استجيب دعاؤه في أخيه المسلم وغفر ذنبه فهو شريك بالثواب.
قال مسلم في صحيحه: "86- (2732) حدثني أحمد بن عمر بن حفص الوكيعي، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا أبي، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب، إلا قال الملك: ولك بمثل".
فإذا كان يُغفَر للميت بدعائه فهو له مغفرة أيضاً، وكثير ممن يصلون على الجنائز يغفلون عن هذا المعنى العظيم.
فإن قيل: المغفرة شرطت بعدد معين وهو الأربعون.
فيقال: كلما كان المرء أعظم توحيداً كان دعاؤه أقبل، وذكر العدد لبيان أقل الحال، فمن الناس من هو عند الله بألف وليس بأربعين فقط، وقد ورد في حديث أبي هريرة أن أسعد الناس بالشفاعة أعظمهم توحيداً، والشفاعة من أسباب غفران الذنوب، وكذا ينبغي أن يكون الأمر في بقية مكفرات الذنوب.
فكلما كان المرء حريصاً على التوحيد بعيداً عما ينقضه وينقصه عن كماله الواجب، وناهياً عن ذلك وذرائعه وعاقداً الولاء والبراء على الأمر؛ كلما رجي له المغفرة أكثر.
ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك}.
ومعناه ازدد علماً بلا إله إلا الله وعملاً، ثم ذكَر الاستغفار، لأن الاستغفار بعد الازدياد أقبل، وهذا ما استفيد من حديث صلاة الجنازة وحديث الشفاعة.