كتب محمد رشيد رضا في مجلة المنار في سنتها الرابعة ( 1901) مقالاً بعنوان العشق وح
كتب محمد رشيد رضا في مجلة المنار في سنتها الرابعة ( 1901) مقالاً بعنوان العشق وحرية العرب
يتكلم فيه عن الأبيات التي شبب بها أبو دهبل بعاتكة بنت معاوية وذكر فيها أن معاوية تعامل مع الموضوع بحلم شديد وأن عاتكة أعجبتها الأبيات وضحكت لذلك فمما قاله نصاً : ثم أنشد أبو دهبل هذه الأبيات بعض إخوانه، فشاعت بمكة وتناشدها الناس،
وغنى بها المغنون، وسمعتها عاتكة إنشادًا وغناءً، فضحكت وأعجبتها، وبعثت إليه
بكسوة، وجرت الرسل بينهما.
ثم قال بعد ذلك معدداً الفوائد من هذه القصة : في القصة فوائد لمن يتأمل ويستفيد منها حرية العرب، وتساهلهم في العشق
وغيره مع أولادهم وغير أولادهم، وفي لوازمه ما لم ينتهك العرض وتُلْمَس العفة
وتبتذل الصيانة على أن العشق والعفة لا ينفكان في قرن كما سنبينه، ألم تر إلى
معاوية كيف أجاب يزيد حين قال له: إن أبا دهبل يقول في ابنتك:
وهي زهراء مثل لؤلؤة الغوَّ ... اص ميزت من جوهر مكنون
بقوله: لقد صدق يا بني إنها لكذلك. ثم لما قال له: إنه قال: (ثم خاصرتها)
البيت: قال لقد كذب. ألم تر أنه لم يعاتب ابنته، ولم ينصحها؛ لأنه يعلم أن العشق
طور من أطوار النفس يغري به العذل والتثريب، ولا ينجع فيه الوعظ والتأديب؟
أقول : هذا المقال كتب في فورة التأثر بالتغريب الذي كان من رواده محمد عبده صاحب عبارة وجدت إسلاماً بلا مسلمين شيخ رشيد رضا وهذه المدرسة وإن كان لها مجهود كبير في حرب عدد من الخرافات إلى أنها لها أثر سيء غاية على وعي الأمة تجاه الغرب والتغريب فانظر كيف رشيد رضا يؤصل لما يشبه الدياثة في هذا المقال
والسؤال هنا هل تثبت القصة وهل فيها ما ذكر رشيد رضا
أعلى مصدر يذكر القصة هو كتاب المستجاد من فعلات الأجواد لأبي علي التنوخي البصري المتوفى عام 384 : دخل يزيد بن معاوية على أبيه فوجده مطرقاً فقال: يا أمير المؤمنين ما هذا الأمر الذي أشجاك؟ قال: أمر أمرضني وأقلقني منذ اليوم، وما أدري ما اعمل فيه قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا الفاسق أبو دهبل كتب إلى أختك عاتكة بهذه الأبيات:
أعاتك هلا إذ بخلت فلم تري ... لذي صبوة زلفى لديك ولا حقا
رددت فؤاداً قد تولى به الهوى ... وسكنت عيناً لا تمل ولا ترقا
ولكن خلعت القلب بالوعد والمنى ... ولم أر يوماً منك جوداً ولا صدقاً
فواكبدي إذ ليس لي منك مجلس ... فأشكو الذي بي من هواك وما ألقى
وأكبر همي أن أرى منك مرسلاً ... وطول النهار جالس أرقب الطرقا
رأيتك تزدادين للصب غلظة ... ويزداد قلبي كل يوم لكم عشقاً
فلم تزل باكية منذ اليوم قد أفسدها الخبيث فما ترى فيه؟.
ثم أكمل القصة وهي كما ترى بلا إسناد في كتاب رجل لا يعرف بعدالة وبينه وبين القصة مئات السنين ولكن لاحظ أين ضحك عاتكة وفرحها بالموضوع ومراسلتها للرجل الذي ادعاه رشيد رضا وأن معاوية أقر كل ذلك من ابنته ، في الواقع لا وجود لهذا نهائياً بل العكس إلا في كتاب الأغاني للأصفهاني وهو رافضي متهم بالكذب ومعلوم ما بين الروافض ومعاوية ورجل مثل رشيد رضا يطعن في أحاديث في الصحيحين كيف جاز له أن يقبل رواية رافضي بلا إسناد ويقر بها بسوء على امرأة مسلمة( وكتاب الأغاني عند أدباء ذلك الوقت وفقهاؤه أحظى من صحيح البخاري لأمراض في النفوس ) وما ذكر الأصفهاني أن معاوية علم بأمر المراسلات ولا غيره ومما ورد في الرواية المختلقة ولم يقف عنده رشيد رضا كثيراً أن معاوية أتى به وصار يحلف أن الشعر مكذوب عليه خوفاً من غضب فقال له معاوية أنا أزوجك لأحب بنات عمك لك وأعطيك الصداق فحلف ألا يقول فيها شعراً ولو قال حل دمه وفعلاً ما قال حتى مات فأين ما يدعي من الحرية ؟!
وهذا مثال للرجل المشتغل بالعلم إذا لم يكن عنده اعتزاز بدينه وينسحق تحت ثقافة الغالب ويبدأ يحرف ويبتر ويستدل بما لا يصلح دليلاً ليلفق بين شرع الله وأهواء البشر ولا شك أن ما أصاب مصر من الانحلال بعد هذه الحقبة حتى وصل إلى ما يعرفه كل الناس في الستينات كان أحد أسبابه مثل هذه الكتابات غير المسئولة من بعض المنتسبين للعلم وأرجو أن يكون رشيد رضا قد استدرك هذه الكبوة إذ لم أطلع على تراثه ( وله كلمات جيدة في إنكار الاختلاط في الموالد وحضور النساء الرقص )