كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

عقدة قديمة ... وعقدة حديثة ...

المصدر
عقدة قديمة ... وعقدة حديثة ... يقع لبعض الشباب النابه الذي ينشأ في أسرة حديثة أو أسرة مرت عليها تغيرات الزمان المتسارعة مما أحدث اختلالا في التوازن عند بعض أفرادها أو معظمهم = أن الشاب يتنسك ويبدأ بطلب العلم فيكتشف أمورًا خاطئة في ممارسات أهله الذين يحبهم ويرجو لهم كل خير ثم يجد لذة لهذا التنسك فيحاول أن يحمل أهله عليه حملا ويقابل صدّا من الأهل الذين لا يعتبرون أحوال ابنهم الجديدة إلا طيش شباب أو تطرفا ويُحدث ذلك بينهم من الوحشة ما يحدث تمرّ الأيام والسنين وفِي قلب هذا الشاب جرح غائر من تلك الوحشة التي كدرت عليه سكينة حياته الأسرية ولكنه يتعزى بأسرته الجديدة: التيار أو الجماعة أو الحركة ولكن الأمر لا يبقى على حاله فتحصل وحشة بينه وبين هذا التيار لأسباب: إما تحاسدا بين أفرادها، وإما صدمة من موقف سياسي معين، أو اكتشافا لأخطاء علمية أو أخطاء في قراءة الواقع هنا يعود الشاب، أو الشاب الذي شاخ بعد كل تلك السنين، إلى أسرته القديمة أو مجتمعه = نادما يود أن يعتذر لهم عن كونه تركهم وفارقهم، أو استوحش منهم لأجل أناس لا يستحقون وهنا يظهر الحقد تجاه هذا التيار أو الجماعة أو الحركة إذ يحاول الانتقام منهم عن سنين عمره التي رآها ضاعت معهم وتحت هذا الضغط النفسي = لا تنتظر إنصافا بل هجوما صبيانيا من جنس ذلك الهجوم الذي كان يهجمه على أسرته في بداية تنسكه ولكن هذه المرة بالاتجاه المعاكس ويمكن تبرير هذا الهجوم بلغة علمية كما كان قديما يبرر هجومه على أسرته بلغة وعظية هذه العقدة الحديثة هي ابنة تلك العقدة القديمة وكثير منهم لا يدري أن كل عاقل ينظر في كلامه يرى فيه إشارات وجود عقدة وحنق إذ تجد المرء منهم يعظ بالإنصاف وترك التطرف بطريقة بعيدة عن الإنصاف، ومتطرفة جدا ولا ينتبه لهذه المفارقة مع ذكائه، لأن الأمر باختصار: مرض نفسي وعلاج العقدة من عدة وجوه: أولها: أن يعلم أن الأمر قديما وحديثا تعامل مع الله عز وجل وأنه قديما كان متأولا يريد طاعة الله، فلا داعي للندم الشديد، فالله غفور رحيم وهو ما أراد إلا الخير، وبمجرد ما اكتشف الخطأ نزع عنه وهو في النهاية بشر يخطيء ويصيب، وَلَن نعبد الله على الكمال التام فحسبنا التسديد والمقاربة ورجاء المنة والكرم منه سبحانه ثانيها: ألا يخرج نفسه من اللوم فيحمل كل الخطأ على الجماعة أو التيار بل الخطأ كان مشتركا من الجميع فالأسرة، مثلا، كانت تفعل محرمات متفق عليها وحتى الأمور التي اكتشفت جوازها لاحقا = أنت تعلم يقينا أنهم ما نظروا في كتب الفقهاء، وإنما فعلوها على جهة قلة المبالاة بالحلال والحرام والجماعة أو التيار اخطأوا في قضايا علمية وسلوكية وأنت أيضا اخطأت بتعلقك الشديد بالآخرين، وتحميل نفسك ذنوب الآخرين فكثير من الشباب تجده تنغصه ذنوب أقربائه ويتحسر عليها وكأنه هو الذي يفعلها، فيصير كمن يحاسب نفسه على ذنوب الناس وهذا خطأ، وخلاف الإرشاد القرآني: {فذكر إنما أنت مذكر} {ليس عليك هداهم} {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} غير أن كثيرا من الأسر يفرضون على أولادهم قوالب في أذهانهم فيتدخلون حتى في التخير بين المباحات عندهم وينعكس هذا في الابن إذا رأى صوابا في أمر ولو اجتهاديا، وشعر بأبوية في سياق معين فإنه لا يهنأ حتى يكونوا على ما يريد جزاء وفاقا وأخطأت بتفكيرك الحدّي، فوجود أخطاء في أسرتك لا يعني نسيان فضلها ولا ترك مصاحبتهم في الدنيا معروفا وكذلك التيار أو الجماعة فإن وجود أغلاط عندهم تنصحهم عليها تديّنا لا يعني أنك ما تعلمت منهم خيرا كثيرا وهم من دلوك على أصل معدن الخير: طلب العلم أو منهج السلف وإن كان وقع منهم تقصير في الوفاء بهذا الالتزام اللفظي ومنهم من اكتشفت تلاعبه وقلة دينه ومنهم من تعرف منه الصدق وهكذا والنصيحة التي تتعمد نسف كل شيء حقا وباطلا تأتي بآثار عكسية بل تولد تيارا جديدا يحمل أمراضا من جنس أمراض التيارات السابقة، ولكن وفقا للظروف الجديدة ثالثها: تحمل مسئولية خطئك، واعترف به، ولا تستر ندمك بهجوم انتقامي مضاد فيه من البغي ما فيه وكأنك تحمّل غيرك أخطاءك، فلا تطيق الاعتراف بها دون سب للآخرين، فتجمع بين الكبر والظلم رابعها: الحق والباطل ليس متعلقا بظروفك النفسية ومشاكلك مع أسرتك وتيارك ولا بفردوس أرضي يطلبه هذا أو ذاك بل يتعلق بمنهج علمي لا يمكن الإفلات من تأثير أهواء الزمان عليه = إلا بتجريد المتابعة للمتقدمين دون الالتفات إلى شعورنا النفسي تجاه من يوافق من المعاصرين أو يخالف.