هل قال الشافعي -رحمه الله- هذا الكلام عن معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما-؟
هل قال الشافعي -رحمه الله- هذا الكلام عن معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما-؟
سألني بعض الأخوة عما أورده الرازي في تفسيره حيث قال: روى الشافعي بإسناده أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم، ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ولم يكبر عند الخفض إلى الركوع والسجود، فلما سلم ناداه المهاجرون والأنصار: يا معاوية، سرقت الصلاة، أين بسم الله الرحمن الرحيم؟! أين التكبير عند الركوع والسجود؟! فأعاد الصلاة مع التسمية والتكبير.
ثم قال الشافعي: "وكان معاوية سلطانًا عظيم القوة شديد الشوكة، فلولا أن الجهر بالتسمية كان كالأمر المتقرر عند كل الصحابة من المهاجرين والأنصار -لما قدروا على إظهار الإنكار عليه بسبب تركه". انتهى
أقول: القول المنسوب للشافعي "وكان معاوية سلطانًا عظيم القوة" إلى آخره لا وجود له في كتب الشافعي حين تكلم في هذه المسألة وأورد هذا الخبر.
وعامة من ينقله من المتأخرين يذكره عن الرازي، حتى صاحب فتح المغيث أحاله على الرازي، ولو وجده في كتب الشافعي أو مصدر أعلى ما أحال على الرازي.
وبين الرازي والشافعي مئات السنين، والرازي مشهور بعدم المعرفة بالآثار والأخبار حتى قال الآلوسي في روح المعاني (٢٣/ ١٢٢): "وهو لعمري إمام في نقل مثل ذلك مما لا يعول عليه عند أئمة الحديث فإياك والاقتداء به".
ومَن نظر في تفسير الرازي وبقية كتبه رأى عجائب في المنقولات وفي طريقة العزو. والعجيب أنه مع ذلك عند بعض الناس إمام لا يَستغني أحد عن كتبه، مع أنه هو استغنى عن عامة الكتب المأثورة. بل كثير ممن ينتسب للأثر وأهله انتسابًا صوريًّا تجده يدَّعي ضرورية النظر في علوم المتكلمين الدخيلة لفهم علوم شرعية أصيلة، ثم المرء منهم يتصدر السنوات ذوات العدد وما أحكمَ ما في الكتب الستة ولا مرَّ عليها مرورًا مع المسند، ثم هو ينظر هذا ضروري وهذا لا يُستغنى عنه وهكذا، وليتهم بعد ذلك سلِموا من الدخول في بعض تخبطات المتكلمين مع ما صنعت بهم الحركية، وما أخذهم لهذا سوى ما اعتاد عليه طلبة العلم في زماننا من الكلف باللطائف ولو على حساب الأصول، فطلبوا الربح مخاطرة برأس المال وظنوا بقية الناس مثلهم، فضيَّعوا الشيء الكبير في طلب أمر نفعه ليس بذاك الكبير، هذا مع ضعف الاطلاع الشديد خصوصًا في نتاج الخمس قرون الأولى.
وهذا الكلام بعيد النسبة للشافعي من جهة كونه يخالف الواقع. فمعاوية مشهور جدًّا أنه حليم، حتى صنَّف ابن أبي الدنيا كتابًا في حلم معاوية. وهذا أمر ما كان ينكره أحد، فحتى الجاحظ المبغض لمعاوية كان يعترف بحلمه الشديد، ومِثل هذا الإنكار عليه هيِّن.
والخبر المذكور "أسرقت الصلاة" رواه الشافعي حقًّا واحتجَّ به دون هذا التعليق. وتكلم ابن تيمية وتبِعه ابن عبد الهادي والزيلعي في الخبر وبيَّنوا اضطرابه، لذا أعرض الأئمة الآخرون عن الاحتجاج به. وإنما قصدي التعليق على ما نُسِب للشافعي في شأن معاوية، خصوصًا مع انتشاره بشكل عجيب في مواقع الرافضة وبنوا عليه قصورًا وعوالي.
وأحسب أن الأمر من بدايته منهم، إذ هُم يَرَوْن الجهر بالبسملة وفيهم تحامل على معاوية، فوضعوا هذا الكلام على لسان الشافعي وصدَّقه الرازي.