كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

القرآن عصي على التحريف…

المصدر
القرآن عصي على التحريف… من إعجاز القرآن الكريم أنه عصي على التحريف، ليس التحريف اللفظي الذي يقر بسلامة القرآن منه عامة العقلاء، وإنما التحريف المعنوي أيضا. وأنا أتدبر في قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }. قلت في نفسي: هذه الآية ضيقت الخناق على أهل الكلام فما عسى أن يصنعوا معها، الآية كأن ألفاظها جاءت للرد على اعتقادهم. فإن قيل: كيف هذا؟ فأقول: أصل المحنة التي قام بها أهل الكلام محنة القول بخلق القرآن مبنية على أنهم لا يؤمنون بأن الله عز وجل يفعل ما شاء متى شاء فعلا يقوم بذاته بناء على شبهات جاءوا بها من اليونان، وشبهتهم يسمونها حلول الحوادث، فأنكروا أن الله عز وجل يتكلم، وجعلوا كلامه خلقا من خلقه يعني شيئا منفصلا عنه وليس صفة له سبحانه. وإثبات أي صفة تتجدد سيلزمهم منه إثبات أن الله يفعل ما شاء متى شاء. لهذا الآية تعكر عليهم ففيها أن الله عز وجل سمع قول المجادلة حين تكلمت وهم لا يقولون بهذا بل من أثبت السمع منهم قالوا السمع قديم بمعنى أن الله سمع الأشياء قبل وجودها!! فجعلوا السمع كالعلم ولا يوجد أفراد للسمع لها بداية ونهاية. فالله علم بالأشياء قبل وجودها وحين وجدت سمع الأصوات ورأى الصور وكان عليما بما في الصدور سبحانه. ولتعلم صدق قولي انظر لتعامل مفسري المتكلمين مع هذه الآية: قال الزمخشري في الكشاف: "قلت: ما معنى قد في قوله قد سمع؟ قلت: معناه التوقع، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله مجادلتها وشكواها وينزل في ذلك ما يفرّج عنها". تأمل مجرد سؤاله عن المعنى يوحي بأنه يجد في الظاهر إشكالا وإلا فمعنى (قد سمع) واضح. ثم إنه قد تأول السمع الذي هو صفة الله بجعله صفة للنبي صلى الله عليه وسلم والمجادلة أنهم توقعوا الاستجابة من الله، والزمخشري يحمل السمع على استجابة الدعاء. غير أن تأويل الزمخشري قوله تعالى: (والله يسمع تحاوركما) فهذا لا يمكن تأويله على التوقع من الرسول والمجادلة! لهذا ما عرض الزمخشري لهذا الحرف بتحريف لقوة ظهوره، والسياق يدحض قولهم. وغالب مفسري الجهمية يتظاهرون بالإثبات ثم يقول الواحد منهم (السمع صفة قديمة) كما فعل القرطبي، والقديم بلسان أهل الكلام ما لا بداية له ولا نهاية ولا يتجدد ولا له أفراد متجددة لكل فرد منها بداية ونهاية ويتمايز عنه غيره وظاهر الآية يدفع هذا، فظاهرها أن الله سمع التحاور حين وقع فسمعه محيط بالأصوات كلها سبحانه وكلام المجادلة له بداية ونهاية. ولهذا إذا رأيت الأشعري يستدل على إثباته لصفة السمع بآية المجادلة فاعلم أنه يغالط، فظاهر الآية لا يثبتها كما يثبتونها بل حقيقة إثباتهم تعطيل وارجاع للصفة إلى صفة العلم، ولهذا الطاهر بن عاشور جنح إلى الحديث عن صفة العلم وهو يفسر هذه الآية مع زعمه أنه يقول بالظاهر. فتجده يقول: "وكون الله تعالى عالما بما جرى من المحاورة معلوم لا يراد من الإخبار به إفادة الحكم، فتعين صرف الخبر إلى إرادة الاعتناء بذلك التحاور والتنويه به وبعظيم منزلته لاشتماله على ترقب النبيء صلى الله عليه وسلم ما ينزله عليه من وحي، وترقب المرأة الرحمة، وإلا فإن المسلمين يعلمون أن الله عالم بتحاورهما. وجملة: والله يسمع تحاوركما في موضع الحال من ضمير تجادلك. وجيء بصيغة المضارع لاستحضار حالة مقارنة علم الله لتحاورهما زيادة في التنويه بشأن ذلك التحاور. وجملة الله سميع بصير تذييل لجملة والله يسمع تحاوركما أي: أن الله عالم بكل صوت وبكل مرئي". قارن هذا مع قول عائشة: "سبحان من وسع سمعه الاصوات". وصيغة المضارع لاثبات الصفة حقا، والمرأة والنبي صلى الله عليه وسلم تشوفا للوحي بعد المجادلة حين اشتكت إلى الله، والآية واضحة أن السماع كان قبل الشكوى، وتخصيص المجادلة بالسماع لأنها كانت سرا من دون الناس، فحتى عائشة ما سمعت فسماعها يعني أن غيرها من باب أولى، كما أنه خصص النجوى بالعلم وهي الهمس من هذا الباب أنه إن علم بالنجوى وما في الصدور فهو بالجهر والنداء أعلم.