كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

باب في تعظيم حق الله عز وجل

المصدر
باب في تعظيم حق الله عز وجل قال عبد الرزاق في المصنف: "16946- عن الثوري، عن أبي سلمة، عن وبرة قال: قال عبد الله: لا أدري أبن مسعود، أو ابن عمر، لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا". أقول: هذا الأثر من الآثار المتلقاة عند أهل العلم من كل المدارس الفقهية بالقبول، فقد أورده الشيباني في كتاب الأصل عند حديثه على الحيل، وهو مذكور في المدونة المالكية، وما رأيت أحداً من بقية المذاهب يعترض عليه. وقد روى مالك -في بعض روايات الموطأ- رواية بمعناه عن ابن عباس، قال الإمام مالك في الموطأ رواية أبي مصعب الزهري: "أنه بلغه أن ابن عباس كان يقول: لأن أحلف فآثم أحب إليّ من أن أضاهي". وهذا كقوله «لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً»، فهو (أضاهي) يعني أحلف بغير الله. وقال ابن أبي زيد القيرواني في النوادر والزيادات: "قال ابن عباس: لأن أحلف بالله فأثم أحب إلي من أن أضاهي. فقيل معناه الحلف بغير الله، وقيل يعني الإلغاز والخديعة بربه أنه حلف ولم يحلف، والأول أولى، لأنه عظم غير الله في الحلف به، لقوله عز وجل {يضاهئون قول اللذين كفروا} أي ما يشبه قولهم، وقد بينه ابن عباس فقال (لأن أحلف بالله مائة مرة فأثم) أحب إلي من أن أحلف بغيره واحدة ثم أبر فيها، وقال ابن مسعود لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا". والسؤال هنا: لماذا قيل أن الحلف بغير الله ولو بصدق شر من الحلف بالله ولو كذباً، مع أن الحلف بغير الله صدقاً قد ترجع به الحقوق والحلف بالله كذباً قد تذهب به الحقوق؟ يجيب ابن أبي العز في شرح مشكلات الهداية (4/553) : "وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه، أنه قال: "لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغير الله صادقًا". وذلك أنه إذا حلف بالله كاذبًا فقد جمع سيئة الكذب مع حسنة التوحيد، وإذا حلف بغيره صادقًا فقد جمع مع الصدق سيئة الشرك، والتوحيد أعظم الصدق، والشرك أعظم الكذب. والله أعلم". كلام ابن أبي العز هو خلاصة كلام شراح الأثر، وليس معنى هذا التسهيل في اليمين الغموس فهو شديد غاية، ولكن القصد تعظيم أمر الشرك ولو كان أصغر كالحلف بغير الله. وفي زماننا لو ذكرت هذه المقارنة لكثير من الناس لاهتموا بأمر الحقوق ولفضلوا الصادق الواقع في الشرك على الكاذب الموحد، لأن أهم شيء الأخلاق وحقوق البشر. هذه النظرة التي بسببها تولدت شبهات كثيرة على الدين في أمر الجهاد والرق والحدود وغيرها، دائماً يتم إغفال أمر (حق الله) وكأنه ليس موجوداً. فإن قال قائل: أليس الكاذب مفرّطاً بحق الله عز وجل أيضاً؟ فيقال: نعم؛ ولكن تفريطه أهون من تفريط الواقع في الشرك، وهذا ما لم يفهمه من إذا كلمناه عن فضل مسائل الصفات على غيرها من المسائل وإن تعلقت بحقوق البشر، قال الكل من حقوق الله، ولو صح اعتراضه لكان اعتراضاً على كلام السلف أعلاه. قال الخلال في السنة: "1769- سمعت أبا بكر المروذي، قال: سمعت أبا عبد الله، وذكر الجهمية، فقال: «إنما كان يراد بهم المطابق، تدري أي شيء عملوا هؤلاء في الإسلام؟» قيل لأبي عبد الله: الرجل يفرح بما ينزل بأصحاب ابن أبي دؤاد، عليه في ذلك إثم؟، قال: «ومن لا يفرح بهذا؟» قيل له: إن ابن المبارك قال: «الذي ينتقم من الحجاج، هو ينتقم للحجاج من الناس». قال: «أي شيء يشبه هذا من الحجاج؟ هؤلاء أرادوا تبديل الدين»". هنا الإمام أحمد يتعجب ويقول أن الجهمية (نفاة الصفات) لا يقارنون بالحجاج بل هم أخطر منه، مع أن الحجاج عنده كان ظلوماً غشوماً وعنده فساد عقيدة، ولكن الجهمية بابهم صفات الله عز وجل أعظم باب، فشرف العلم من شرف المعلوم، وأما في زماننا فالجهمي يعظم لأن مشكلته (رأي) لا علاقة لها بالحقوق، ويقيم بحسب مواقفه السياسية فحسب، (على أهمية هذه الأمور، ولكن أهميتها لم تبلغ إلى استهوان العقيدة أمامها). وتأمل قول أحمد (أرادوا تبديل الدين) وقارنه بقول ابن خزيمة في التوحيد وهو يتكلم عن تأويل صفة اليد: "وزعمت الجهمية المعطلة: أن معنى قوله: {بل يداه مبسوطتان} [المائدة: 64] أي نعمتاه، وهذا تبديل، لا تأويل". ولهذا ابن تيمية كان يسميه تحريفاً، ويأبى تسميته تأويلاً، لأنه مكابرة ظاهرة للسياق، واحتكام لقواعد يونانية، فهو رد بطريقة دبلوماسية. وفي سؤالات أبي عبيد الآجري عن أبي دواد: "812- وسمعت أبا داود يقول: سمعت أبا سلمة موسى، قال: سمعت سلام بن أبي مطيع، وكان يقال: هو أعقل أهل البصرة، وكان في السنة. قال أبو داود: هو القائل: لإن ألقى الله بصحيفة الحجاج أحب إلي من أن ألقى الله بصحيفة عمرو بن عبيد". هذا مع أن عمراً مذكور بالعبادة وطلب الحديث، ولكنه جاء بضلالة كبرى، كفره من كفره لأجلها، وكان داعية لها، فكان أفتن للناس من الحجاج.