كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

قال تعالى : ( فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَن

المصدر
قال تعالى : ( فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ) أقول : هذه الآيات عجيبة غاية في علاج أدواء النفوس الفاشية الْيَوْم تأمل قوله تعالى ( إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه ) الإكرام في الدنيا ابتلاء ! هذه الحقيقة الغائبة عن كثير من العقول ولو استحضروا ازال الحسد من القلوب وذلك أن هناك آخرة منسية سيحاسب فيها الغني على غناه ففي الواقع كثير من أهل الثراء هو أهل للشفقة لا الحسد والآيات تبين أن الفقر أيضا ابتلاء وذلك أن الفقير له عبوديته الخاصة وهي عبودية الصبر والاستعفاف عن الحرام وترك الالحاف في المسألة وترك الحسد والغني له عبوديته وهي عبودية الإنفاق في سبيل الله وترك الاستكبار والمن على الفقير وكل مسئول عن عبوديته هذه يوم القيامة لهذا في الواقع كلهم مبتلى لا أحد فوق أحد إلا بالتقوى فإنما هو صور خداعة والحقائق تنكشف في الآخرة فكثير ممن كنّا نظنه ثريا ونغبطه يأتي في القيامة مفلسا مخزيا منكس الرأس وكثيرا ممن كنّا نشفق عليه في الدنيا يأتي يوم القيامة وإذا به ذو حظ عظيم تملأ الغبطة وجهه اذا فهمت هذا ستفهم ارتباط هذه الآيات بِمَا بعدها ( كلا بل لا تكرمون اليتيم ) وفيها الإرشاد أنك أيها الانسان لا شأن لك بقدر الله الكوني لماذا هذا غني ولماذا هذا فقير لا تشغل نفسك بذلك وإنما أقبل على ما كلفك الله في حال غناك أو فقرك فهذا قدرك فاعرفه فإنما أنت عبد فلا تتشامخ على مولاك والزم ما أمرك به فإنك مطيقه ولا تطيق فهم دقائق الحكمة الا بعناء ولست محيطا بها ولو أجهدت نفسك فإنما علمك علم مخلوق أنى له الإحاطة بعلم الخالق وفِي قوله : ( ولا تحاضون على طعام المسكين ) إرشاد لعلاج داء الحسد والشح وهما مما يشترك فيه الأغنياء والفقراء لداعي حب المال فإذا روضت نفسك وعودتها على طلب الخير للغير كان ذلك علاجا ناجعا لهذا الداء وبرؤا وبراءة وبعد فهم هذا تفهم لماذا جاء بعد هذا البيان الجليل ذكر الآخرة ( كلا اذا دكت الأرض دكا دكا ) وبعدها ( وجاء ربك والملك صفا صفا ) وذلك عن الغفلة عن الآخرة والغفلة أننا لله وإليه راجعون هو سبب خوضنا فيما لا يعنينا وتركنا لما يجب علينا وسبب الداء العضال وهو الطمع : ( وتأكلون التراث أكلا لما ) وبعدها ( وتحبون المال حبا جما ) ولو نظرت في حال أهل الدجل وخداع النفس الذين يقولون ( أين الله من المجاعات ) لرأيت هذه الآيات أعظم موعظة لهم فَلَولا طمع البشر وتركهم لأوامر الله عز وجل ما جاع أحد فيترك ذنب المذنب ويستره بل يثني عليه ويعظمه ويحمل الخالق حمالة خطيئته هو ونظراؤه على نهج أستاذهم إبليس ( فبما أغويتني ) وما كان الله ليجعل الدنيا حالها واحدا أطيعت أوامره أو عصيت وثمة آخرة فيها الوفاء يوفى كل ذي حق حقه ويحاسب كل مقصر على تقصيره