علاج لمثبطات الخير وبشرى لمعلمي الناس إياه.
علاج لمثبطات الخير وبشرى لمعلمي الناس إياه.
أكثر ما يثبط الناس عن الخير من نشر العلم أو النفقة في سبيل الله أو الجهاد أو أي صورة من النفع المتعدي–التي فيها مشقة وتكون مقصودة لغيرها-، (هداية الناس) عدة أمور:
الأول: استقلال النتيجة، حيث يرى الإنسان أن النجاح لا يقارَن بالتعب الذي يتعبه.
الثاني: مشاهدة أن الأمر نفع للآخرين ونسيان منافع هذا الأمر على الإنسان نفسه، الدنيوية والأخروية ففي أعمال النفع المتعدي –خصوصاً النفقات- مِن البركة والود بين أهل الإيمان ما ينتظر من ثواب الآخرة الشيء العظيم.
الثالث: ضعف الإخلاص.
الرابع: عدم استحضار النفع الأُخروي وأن الحسنة بعشر أمثالها بل هي أضعاف مضاعفة.
• وعلاج هذه المعاني جُمِعَ جمعًا في آية، قال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ}[البقرة].
قوله: {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء}، فيه علاج إشكالية استقلال النتيجة فأنت حين تعلم أن الهداية بيد الله لا تحاسب نفسك على هذا الأمر وليس معناه ألا تنظر في كونك منفراً أم لا، بحسب الوارد في السنة وعن السلف، ولكن كثيراً من الناس دخلوا في الوسواس في هذا السياق.
وقوله: {وما تنفقوا من خير فـلأنفسكم}، فيه علاج إشكالية مشاهدة أن الأمر نفع للناس فحسب وليس نفعاً للنفس وترويضاً لها على الفضائل.
وقوله: {وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله}، فيه علاج إشكالية ضعف الإخلاص.
وقوله: {وما تنفقوا من خير يوَّف إليكم وأنتم لا تظلمون}، فيه علاج نسيان الثواب العظيم الذي يخفف على المرء ما يجده من مشقة.
وقد قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ}[البقرة].
قال مسلم في صحيحه 132-(1892): حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا جرير، عن الأعمش، عن أبي عمرو الشيباني، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ: «لك بها يوم القيامة سبع مائة ناقة كلها مخطومة».
أقول: الحديث تُفسِّره الآية وفي هذا بشرى لمعلمي الناس الخير فإذا كان مَن ينفق في سبيل الله يضاعف أجره سبعمائة ضعف فكذلك معلم الناس الخير لأنه مَن دعا إلى هدى كان له مثل أجور مَن تبعَه ولأنه يشترك مع النفقة بأنه نفعٌ متعَّدٍ ثم إنّ ميراث الأنبياء أنفَس مِن المال كما ورد في الحديث: [إن العلماء هم ورثة الأنبياء، لَم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا العلم، فمَن أخذ به، أخذ بحظٍّ وافر].