رأي شيخ الإسلام ابن تيمية والكوثري في عقائد الأيوبيين.
رأي شيخ الإسلام ابن تيمية والكوثري في عقائد الأيوبيين.
قال ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (1/13) : "وهذا الكتاب الذي صنفه الرازي على عادته وعادة أمثاله من المتفلسفة والمتكلمين في تصنيف الكتب لعظماء الدنيا من الملوك والوزراء، والقضاة والأمراء، وذويهم ليُنَفِّقُوا بجاه هؤلاء كلامهم حقًّا كان أو باطلًا، وسواء قصدوا به وجه الله، أو قصدوا به العلو في الأرض أو الفساد، وكان ملك الشام ومصر في زمانه الملك العادل، أبو بكر بن أيوب. فصنفه وأهداه له، ظنًا أنه بجاهه ينتشر، واعتقادًا فيه أنه يختار مذهب أهل النفي، ولم يكن الملك من هؤلاء النفاة، كما أخبر بذلك عنه ابنه الأشرف وغيره، بل ظهر من سيرته ما يدل على محبته، وتعظيمه لأهل الإثبات، والله أعلم بحقيقة ما له في الدقائق المشكلات، والمعروف عنه وعن أهل بيته من تعظيم الحديث وأهله، والقيام بإحياء ذلك ينافي الطريقة التي نصرها الرازي في «تأسيس تقديسه» وإن كان في أهل بيته من يميل إلى النفي، ومنهم من يميل إلى الإثبات، فلعله كان في بعض حاشيته من يميل إلى النفي، وكان للرازي من الشهرة ما أوجب استعانة النفاة به، والله أعلم بأمثال هذه الأحوال".
أقول: أبو بكر بن أيوب الملك العادل المذكور هنا هو أخو صلاح الدين الأيوبي، ومن آل إليه الأمر بعده، وكان عضيده في حياته.
يذكر ابن تيمية أنه كان من أهل الإثبات بشهادة ابنه الأشرف وغيره (ويبدو أن الشيخ وقف على كلام الأشرف).
علماً أن الأشاعرة ينقلون أن الأشرف صار أشعرياً بعدما كان حنبلياً يعتقد كفر القوم على يد العز بن عبد السلام (وهذا يدل على أن ما يذكره بهاء ابن شداد وغيره عن حالهم في الصغر مع العقائد محل نظر، خصوصاً مع وقوع اثنين من أبناء الأيوبي في التشيع مع كونهم ليسوا إمامية).
ويذكر ابن تيمية أن المعروف عن الملك العادل وأهل بيته تعظيم أهل الحديث من أهل الإثبات، ومباينة طريقة المتكلمين الذين منهم الرازي (حالهم مع الآمدي يدل على ما قال الشيخ).
وهنا أستعين بشهادة حنفي ماتردي، مبغِض لشيخ الإسلام، وهو محمد الزاهد الكوثري.
إذ يقول في تعليقه على تبيين كذب المفتري: "وكان جماعة من المقادسة ممن ورثوا آراء ابن كرام الذي كان عشش في القدس وباض، وترك أصحاباً له متقشفين يتوارثونها منهم من بعد هاجروا منها بعدما احتلها النصارى، وحملوا بدع التشبيه إلى الشام (يعني إثبات الصفات يقول هذا لأنه متجهِّم) وكان بها شيء من تلك البدع من عهد عبد الواحد الشيرازي صاحب أبي يعلى، وكان السلطان صلاح الدين الأيوبي يرعى خاطرهم لكونهم مهاجرين زهاداً، ويتغاضى عن معتقدهم، ولم يكن يحمل الناس على المعتقد الأشعري كما ظن، بل كان الواعظ ابن نجية الحنبلي المشهور مقرباً عنده، ومجافاته القاسية مع الإمام الشهاب الطوسي القائم بنصرة الأشعري بمصر تجري على منظر منه، ويسمع ويسكت عن ذلك بل كاد آله -يعني آل الأيوبي- أن انحازوا إليهم في المعتقد".
والشاهد من كلام الكوثري آخره وهو يلتقي بعض الالتقاء مع كلام الشيخ.
وكلام الشيخ يناقض الإطلاقات التي أطلقها المقريزي، وأخذها كثيرون مسلَّمة (والمقريزي متأخر عن زمنهم وزمن ابن تيمية، والكوثري دلل بشواهد تاريخية على عدم صحة ذلك الإطلاق، ودعوى ميل الأشرف في أول حياته لاعتقاد الحنابلة ينافي أيضا إطلاقات المقريزي).
وقول ابن تيمية: "والله أعلم بحقيقة ما له في الدقائق المشكلات" تنبيه على أن أمثال الملك العادل من العوام الذين قد يغلب عليهم عدم فهم عقائد المتكلمين أو خلافيات الناس مع ميلهم لفطرة الناس، وقد تدخل عليهم العقائد الفاسدة، غير أن الجزم في أحوالهم يصعب تحصيله لعدم مقدرتهم عن الإبانة عن ذلك كما يبيِّن أهل العلم، وإنما يُستدلُّ على ذلك بقرائن هنا وهناك.
وما قاله الشيخ أن بعض أهله يميل لقول النفاة قد يشير لحال الأشرف أو غيره.