كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

رأي ابن تيمية في اجتهاد أبي المعالي الجويني العلمي

المصدر
رأي ابن تيمية في اجتهاد أبي المعالي الجويني العلمي قال ابن تيمية في التسعينية (3/925): "وعامة المستأخرين من أهل الكلام، سلكوا خلفه من تلامذته، وتلامذة تلامذته، وتلامذة تلامذة تلامذته، ومن بعدهم، ولقلة علمه بالكتاب والسنة وكلام سلف الأمة يظن أن أكثر الحوادث ليس في الكتاب والسنة والإجماع ما يدل عليها، وإنما يعلم حكمها بالقياس، كما يذكر ذلك في كتبه، ومن كان له علم بالنصوص ودلالتها على الأحكام، علم أن قول أبي محمد بن حزم وأمثاله أن النصوص تستوعب جميع الحوادث، أقرب إلى الصواب من هذا القول". إلى أن قال في الصحيفة التي تليها: "ولا ريب أن هذا سببه كله ضعف العلم بالآثار النبوية والآثار السلفية، وإلا فلو كان لأبي المعالي وأمثاله بذلك علم راسخ، وكانوا قد عضوا عليه بضرس قاطع، لكانوا ملحقين بأئمة المسلمين، لما كان فيهم من الاستعداد لأسباب الاجتهاد، ولكن اتباع أهل الكلام المحدث والرأي الضعيف للظن وما تهوى الأنفس، ينقص صاحبه إلى حيث جعله الله مستحقًا لذلك، وإن كان له من الاجتهاد في تلك الطريقة ما ليس لغيره، فليس الفضل بكثرة الاجتهاد، ولكن بالهدى والسداد، كما جاء في الأثر: "ما ازداد مبتدع اجتهادًا إلا ازداد من الله بعدًا". وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الخوارج: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية". ويوجد لأهل البدع من أهل القبلة لكثير من الرافضة والقدرية الجهمية وغيرهم، من الاجتهاد ما لا يوجد لأهل السنة في العلم والعمل، وكذلك لكثير من أهل الكتاب والمشركين، لكن إنما يراد الحسن من ذلك، كما قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} قال: "أخلصه وأصوبه. فقيل له: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإن كان صوابًا، ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة". أقول: هذا الكلام من ابن تيمية يوافق قول البربهاري: "[98] واعلم -رحمك الله- أن العلم ليس بكثرة الرواية والكتب، إنما العالم من اتبع العلم والسنن وإن كان قليل العلم والكتب، ومن خالف الكتاب والسنة فهو صاحب بدعة وإن كان كثير العلم والكتب". ويوافق الأثر المشهور: "اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة". وكلام الشيخ يصلح للرد على من يعظم المعتزلة أو الجهمية بحجة جهودهم العلمية ويقول لك: فلان منهم كتب كذا وكذا في الرد على من يطعن في القرآن. فيقال له: قد قيل في الخوارج إن الصحابة يحقرون صلاتهم إلى صلاتهم والصلاة أعظم العمل، والمطلوب الإصابة وليس الكثرة فحسب، وقد عُلِم أن أهل الكلام ما دخلوا فنًّا إلا وأدخلوا فيه مِن دَخَنِهم. فأحسن الناس علمًا هم أهل الحديث لأن علمهم تشح فيه البدع، كما أن أحسن الناس صلاةً الصحابة وإن كان الخوارج أكثر منهم صلاة. والمرء إذا أكثر على سنة فهو الأكمل حالًا من السني المقتصد ومن المبتدع المجتهد، ولا بد من زلل إلا أن الزلل يتفاوت. وهذا الباب يحتاج إلى ضبط. فمن الناس من يسوِّي بين أغلاط البشر دقيقها وجليلها ذمًّا، ويسقطهم في أدنى شيء، ويجعلهم جميعًا بمنزلة أصحاب البدع المغلظة، وهؤلاء غلاة. ومن الناس من يسوِّي بين أغلاط البشر دقيقها وجليلها اعتذارًا، ثم بعد ذلك يقيِّم الناس بحسب اجتهادهم دون النظر إلى إصابة السنة، لهذا يَعظُم في نفسه المبتدعة المكثرون أكثر من أهل السنة المقتصدين، وهذا حال كثير من طلبة العلم في زماننا. ومن الناس من عنده ميزان خاص يحكم به بهواه، فعنده مسائل مَن خالف فيها لا يَقبل منه صرفًا ولا عدلًا، والبقية يحتمل فيها المخالف، وميزانه هذا ليس له به سلف وإنما هو ذوقه ونظره الحركي، وكثير من هؤلاء إذا تحدث عن إنصاف المخالف فإنما يتحدث وفقًا لميزانه هذا. فإذا كان المخالف لا يعجبه وفقًا لميزانه رأيته يتكلم بنحو كلام ابن تيمية هذا بل أشد حتى يجحد الفضائل الموجودة ولو كان المخالف صحيح الاعتقاد بالجملة ومشتغلًا بالعلم نحو اشتغاله (وقد يدخل في هذا من أهواء القلوب ما يدخل مثل الحسد وغيره). وإذا كان المخالف موافقًا لهواه تكلم عن حسناته وفصَّل فيها وأجمل في سيئاته ولو كان واقعًا في بدع مغلظة بعضها موصوف عند السلف بـ(الكفر). وما ذكره الشيخ من اجتهاد كثير من اليهود والنصارى والرافضة والمعتزلة أكثر من كثير من أهل السنة في (العلم) و(العمل) صحيح تمامًا، فبعض الرافضة ترى له المجلدات الضخام في الفقه والأصول والتفسير ولكنها ملأى بالبلاء، بل بعضهم رأيته يدبج الردود على الملاحدة والقاديانية وغيرهم. وبعض النصارى تراه مجتهدًا في الرد على الداروينية والنسوية والملاحدة ثم هو على ضلاله العظيم. حين أفحم الحنبلي الرافضي.. جاء في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى في ترجمة غلام الخلال: "ولقد وجدت عنه: أن رافضياً سأله عن قوله تعالى: {والذي جاء بالصدق وصدَّق به} من هو؟. فقال له: أبو بكر الصديق. فرد عليه وقال: بل هو علي ابن أبي طالب فهم به الأصحاب فقال: دعوه ثم قال: اقرأ ما بعدها {لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا} وهذا يقتضي أن يكون هذا المصدِّق ممن له إساءة سبقت وعلى قولك أيها السائل لم يكن لعلي إساءة، فقطعه. وهذا استنباط حسن لا يعقله إلا العلماء فدل على علمه وحلمه وحسن خلقه فإنه لم يقابله على جفائه بجفاء وعدل إلى العلم". هذا استدلال حسن غاية من غلام الخلال، ويذكرنا بقاعدة ابن تيمية حين قال لا يستدل صاحب باطل بنص إلا وفيه الرد عليه. وما وجدت عامة المفسرين ينبهون على هذه النكتة، ولا الرافضة يتعاملون مع هذا الاعتراض، حتى إن ابن تيمية في منهاج السنة لما رد على الرافضي ما نبه على هذا المعنى. غير أن في منتقى الذهبي من منهاج السنة نجد هذا: "وقال تعالى {والذي جاء بالصدق وصدَّق به أولئك هم المتقون} إلى قوله {ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا} فهذا الصنف هم أشرف الأمة وقد وعدهم بأنه يكفر عنهم أسوأ أعمالهم وعلي فعندهم معصوم فقولوا لم يدخل في الآية". ولم أجد هذا التنبيه في المطبوع من منهاج السنة فلعل النسخة التي بين أيدينا سقط منها أشياء. (ثم إنني وجدت جواباً لابن النعمان المفيد خلاصته المماحكة إذ زعم أن في ظاهر القرآن أن الرسول ﷺ واقع في الكبائر، وهذه من تلك، والحق أن ما في القرآن ظاهره أن الرسول ﷺ تقع منه الذنوب فحسب، وهذا ما لا ننفيه ولكننا نقول إنها صغائر يستغفر منها، وقد حملها من حملها على ما كان قبل النبوة من موافقة قومه، والرافضة لا يقولون بهذا، وهكذا بقيت جميع الآيات على ظاهرها) الفلاح في الشريعة غير الفلاح في الرأسمالية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة». رواه البخاري. هذا الحديث من الأخبار التي طالتها يد التشغيب بفعل تأثير الثقافة العصرية، وتجدهم يوردون أمثلة عصرية على الحديث، وكان جواب الشريعة أن الفلاح المقصود في الحديث ليس هو الفلاح في عرفهم. وقد تفكرت في الأمر فوجدت مبدأ حل الإشكال من نداء الصلاة (حي على الفلاح). تأمل (الفلاح) وفي الحديث (يفلح). قول المؤذن (حي على الفلاح) يجيبه أقوام وُصفوا في القرآن بقوله تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال (36) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار}. {لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} أي أنهم لا يقدِّمون طلب المال على أمر الآخرة، وجوهر الرأسمالية قائمٌ على تقديم المال على الدين والعرض، لهذا ارتبطت بالانحلال الأخلاقي، ودعوة النساء للتبرج والخروج ومخالطة الرجال، لأن كل ذلك يحقق ربحاً للمؤسسة الرأسمالية، فالتجارة بالغرائز هي النخاسة المقنَّعة. ولهذا يقرُّون المنكرات السياحية من خمور وزنا لأنها تدر الأرباح، واليوم تمدح دول بهذا لأن ذلك يزيد في دخلهم، وهذا الفلاح الرأسمالي ليس هو الفلاح الشرعي. فالقوم الذين يجيبون (حي على الفلاح) يعتقدون أن أمر الدين (ومنه الحفاظ على العقائد والأعراض) مقدم على طلب المال (ولا يعني هذا عدم طلبه، ولكن لا يُجعل على رأس الأولويات، بل هو وسيلة وليس غاية). وهكذا ليرتبط بذهنك هذا الفلاح كلما سمعت (حي الفلاح) بخبر «لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة» لكي لا تظن أن دولة الدعارة فيها مقننة رئيسة وزراءها أصابت الفلاح المقصود في الحديث.