من الأمور التي ينبغي ملاحظتها أثناء الحوار بين الناس مراعاة أصول الفقه
من الأمور التي ينبغي ملاحظتها أثناء الحوار بين الناس مراعاة أصول الفقه
فكثير من الشباب الذين يتحاورون ينطلق بعضهم من قاعدة مردودة أصولياً أو محل خلاف ويلزم الخصم بها
مثل العبارة الدارجة عند عدد من الشباب في حواراتهم ( من من المعاصرين قال بهذا القول ) أو يقول ( أجمع الناس في العصور المتأخرة على كذا وكذا ) منكراً على من تبع قولاً سلفياً يظنه هذا الشاب المناقش مهجوراً في الأعصار المتأخرة وما أحاط بما كتبوا علماً مع كثرة التآليف في الأزمنة المتأخرة ولكن الدعاوى في عصرنا سهلة
والسؤال المذكور أعلاه ناشيء عن القول بأن الأقوال تموت بموت أصحابها وبالتالي لا يجوز اتباع قول لميت لم يعد له تابع في المتأخرين ( سواء وجدنا على قوله بينة أم لم نجد ) هذا مع التسليم أن أقوال المتأخرين قد أحاط بها هذا المدعي
ومن المشهور عند كثير من الأصوليين أن الأقوال لا تموت بموت أصحابها وبناء عليه هذا السؤال لا معنى له
جاء في البرهان في أصول الفقه :" من العبارات الرشيقة للشافعي أنه قال: المذاهب لا تموت بموت أصحابها فيقدر كأن المنقرضين أحياء ذابون عن مذاهبهم وتحقيق هذا ما ذكرنا"
وتأمل قوله ( كأن المنقرضين أحياء ذابون عن مذاهبهم ) وما فيه من بيان أن حديث ( لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين ) لا يناقض خفاء القائل ببعض المذاهب السلفية القديمة في بعض الأعصار لأن أقوالهم مبثوثة في الكتب معلومة لمن طلبها كأن أهلها أحياء بيننا منافحون عنها
وفي كتاب التلخيص في أصول الفقه :" وَقد تمسك أَصْحَابنَا فِي نصْرَة هَذَا الْمَذْهَب بطريقتين:
أَحدهمَا: أَن الَّذين اخْتلفُوا أَولا، ثمَّ درجوا ومضوا، " يقدرُونَ " أَحيَاء فَإِن الْمذَاهب لَا تسْقط بِمَوْت أَصْحَابهَا وَلَا تندرس. إِذْ لَو سَاغَ سُقُوط مَذْهَب بِمَوْت الصائرين " إِلَيْهِ " للَزِمَ ارْتِفَاع الْإِجْمَاع أَيْضا، حَتَّى يُقَال: إِذا أجمع أهل الْعَصْر الأول، ثمَّ انقرضوا، فقد ارْتَفع حكم إِجْمَاعهم، وَهَذَا مَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ"
وفي آداب المفتي لابن حمدان :" وَفِي جَوَاز تَقْلِيد الْمَيِّت وَجْهَان
الصَّحِيح جَوَازه لِأَن الْمذَاهب لَا تَمُوت بِمَوْت أَصْحَابهَا وَلِهَذَا يعْتد بهَا بعدهمْ فِي الْإِجْمَاع وَالْخلاف"
وقال عياض السلمي في رسالته في أصول الفقه معلقا على هذه المسألة :" وأما حديث: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين» فالمقصود بالحديث ليس مسائل الفروع الاجتهادية، وإنما المقصود بقاء طائفة من الأمة على الدين الحق"
والواقع أنه قوله ( لا تزال ) يدل على الابتداء والاتصال واليوم ربما يأتي بعضهم لمسألة فيها إجماع قديم أو شبهة إجماع ويحاول التشويش عليها بأنه لا يعرف أحداً في شيوخه يقول بها ويستدل بهذا الحديث ! وهو غير قادر على إثبات الابتداء حتى يثبت الاتصال
وجاء في فتح العلي المالك لابن عليش :" وهذا كله بعد تسليم القول بجواز تقليد المجتهد الميت وهو الصحيح عند ابن الصلاح وغيره والذي عليه العمل، وحكى الإمام فخر الدين الرازي في بعض كتبه الإجماع عليه في هذه الأزمنة المتأخرة؛ لأن المذاهب لا تموت بموت أصحابها، ولهذا يعتد بها عندهم في الإجماع والخلاف"
فما بالك والمعارض الذي يرفض كلام السلف إنما يستدل بمتأخرين ما فيهم أحد ادعى لنفسه الاجتهاد الذي يشهد به لهذا الإمام من السلف بل يكون هذا القول ليس قول واحد بل قول الكثير منهم بل ربما عليه شبهة إجماع ونكون دعوى الاتفاق على خلافه لا حقيقة لها أصلاً ولا سبيل إلى إثباتها ولكن اخترت أقصر طريق لنقض هذا المسلك في الحوار علماً أن هذه ليست دعوة لبث المقالات الشاذة أو تتبع الرخص بحجة جواز الأخذ بقول الميت بل لا يؤخذ قوله إلا ببينة دامغة وتتبع الرخص أو الشذوذ سبيل المتهتكين ومن أنصف وجد الحق في الغالب مع الجمهور ولكن الجمهور في زمن السلف وهذه إيقاظة للوصول إلى الحوار المنهجي المنشود بعيداً عن التخبط الذي يقضي على الأعمار والأعصاب ولا نصل إلى نتيجة