كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

نجاسة الخمر تُنطِق فقهاء الإمامية بمناقب أهل الحديث...

المصدر
نجاسة الخمر تُنطِق فقهاء الإمامية بمناقب أهل الحديث... كنت قد كتبت بحثًا في (نجاسة الخمر)، وهو موجود في المدونة لمن يريده، توصلت فيه لكون عامة المذاهب المشهورة أهلها قائلون بنجاسة الخمر، وقد ادعاه بعضهم إجماعًا قديمًا، وناقشت فيه قول من يقول بالطهارة. وأثناء نظري في كتب الإمامية الفقهية والأصولية رأيت لهم كلامًا عجيبًا في هذه المسألة لو تدبَّروه لرأوا فيه ثناءً عظيمًا على أهل الحديث وأمانتهم وإبطالًا لدين الشيعة الإمامية (الرافضة). قال الخوئي في كتاب الطهارة (٢/ ٨٩): «نجاسة الخمر هى المعروفة بين أصحابنا المتقدمين والمتأخرين ولم يُنقل الخلاف في ذلك إلا من جماعة من المتقدمين كالصدوق ووالده فى الرسالة والجعفي والعماني وجملة من المتأخرين كالأردبيلي وغيره». قال محمد باقر الصدر في شرح العروة الوثقى (٣/ ٣٥٤): «يدّعى تقديم أخبار النجاسة بحمل أخبار الطهارة على التقية، إعمالًا للمرجح العلاجي في مقام التعارض. والتقية تدّعى بأحد وجهين: أولهما: إنّ أخبار الطهارة موافقة لمذهب بعض العامة، كما أشار الشيخ الطوسي. والتحقيق: أنّ المشهور في الفقه السني بمختلف مذاهبه هو الحكم بالنجاسة. والوجه الثاني: الذي ذُكر في تصوير التقية: هو أن تكون روايات الطهارة تقية من الحكام والسلاطين. الذين كانوا يشربون الخمور ولا يجتنبون مساورتها. وهذا الوجه في غاية الغرابة والانحراف عن التفكير السليم، إلى درجة لم أكن أرضى بأن يتفوّه به فقيه». وعلق علي أكبر المازندراني على كلام محمد باقر الصدر في كتابه بدائع البحوث في علم الأصول (٦/ ٣٥٤) بقوله: «ولكن كل ذلك مناقش؛ لأنّ ملاك التقية هو الخوف على النفس وحصوله بذلك بمكان من الإمكان، كما أنّ شرب الخمر ليس ببعيد عن عادة الطواغيت وخلفاء الجور، ونفي ذلك خلاف مقتضى عادتهم». وقال الوحيد البهبهاني في الحاشية على مدارك الأحكام (٢/ ١٨٨): «ويدل أيضًا أن الأمراء والسلاطين في زمانهم -وهو يوازي ثلاث مائة سنة تقريبًا- كانوا مولعين بشرب الخمر، وسائرهما كانوا مولعين بشرب الفقاع والنبيذ، بل وقاطبتهم. فلو كانوا قائلين بالطهارة لاشتهر منهم اشتهار الشمس بمقتضى العادة وتوفّر الدواعي، مع أَنّهم أظهروا الطهارة مكرّرًا، ومع ذلك الأمر وقع بالعكس، فإِنّ القدماء ادّعوا الإجماع على النجاسة، والمتأخرين اتفقوا على ذلك». أقول: هذا الكلام -مع ما فيه من تهاويل الإمامية المعروفة- يمكن أن يُستفاد منه براهين عديدة في توثيق طريقة أهل الحديث. الأول: في كلامهم أن القول بطهارة النبيذ (الذي يسكر كثيره دون قليله) أو الخمر هوى للسلاطين، ثم هم معترفون أن فقهاء أهل السنة خالفوا هذا الهوى وقالوا بالنجاسة. وهذا يعني أنهم لم تكن السلطة تُلقِّنهم. بل زيادة على ذلك مذهب مالك والشافعي وأحمد الجلد بالنبيذ المختلف فيه من شدة احتياطهم من هذا الأمر. وهذا أبو يوسف إمام أهل الرأي المقرب من هارون الرشيد ما خرَّج له أهل الحديث في الكتب ولو حديثًا واحدًا نفرةً منه مع أنه كان صدوقًا. وهذا يدلُّك على أن كتب المحدثين الكبرى سالمة كل السلامة من أهواء فساق السلاطين وإملاءاتهم. واطرد هذا في مسائل كثيرة، مثل كونهم يرون حرمة المعازف، وعامة أهل الفسق يحبون المعازف والغناء وكانت مجالس الشراب لا تخلو من غناء ومعازف. وهذا تشديدهم في أمر الفروج وغيره. الثاني: قال الصدر إنه لا يعقل أن يقول الصادق بالطهارة تقية، لأن التقية هي في مخالفة المذهب المشهور عند أهل السنة، والمشهور عند أهل السنة النجاسة. فردَّ عليه علي أكبر المازندراني قائلًا: بل التقية متصوَّرة لأن الملوك لا يحبون هذا القول. وهذه المناقشة تهدم عليهم دينهم لو تصوروا ذلك فمعنى كلام علي أكبر المازندراني أن فقهاء أهل السنة أشجع من المعصوم. ومعنى كلام الصدر أن الصادق كان إنما يمارس التقية أمام من لا سلطان له ولا يمكنه أن يؤذيه وهم الفقهاء، فكم من فقيه خرج بقول شاذ خالف فيه جمهور العلماء وما آذاه أحد وإنما ردوا عليه وناظروه. والشيعة احتاجوا لدعوى وجود تقية لأن روايات الصادق متناقضة، فمنها ما يقول بالنجاسة ومنها ما يقول بالطهارة، فإذا انسد باب التقية في الأمرين فالمعصوم متناقض، إذن هو ليس معصومًا، ولا مجال لتضعيف إحدى الروايتين، فروايات النجاسة مستفيضة لقول عامة المتأخرين بها، وروايات الطهارة ثابتة لهذا حملوها على التقية بحسب أصولهم.