كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

القرينان الخشوع للحق والتواضع للخلق

المصدر
القرينان الخشوع للحق والتواضع للخلق قال مقاتل بن سليمان في تفسيره: "ثم نعتهم فقال- سبحانه-: {الذين هم في صلاتهم خاشعون}. يقول متواضعون يعني إذا صلى لم يعرف من عن يمينه ومن عن شماله". أقول: تفسير مقاتل للخشوع بالتواضع من دقيق فهمه، ويفتح باباً لبيان الأثر الطيب للصلاة على السلوك. وذلك أن الخشوع والتواضع بينهما علاقة، فكلاهما يذكر في النصوص في مقابل الاستكبار (الذي هو أساس الكفر). قال تعالى: {إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون}[الأعراف]. والتسبيح والسجود من أفعال الصلاة، والصلاة مطلوب فيها الخشوع، وقد جعلت هذه الأفعال في مقابل الكبر، وقد علم أن التواضع أيضاً مقابل الكبر. وقال تعالى: {ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون}[النحل]. وقال تعالى: {وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون (19) يسبحون الليل والنهار لا يفترون}[الأنبياء]. وقال تعالى: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكِّروا بها خروا سجدًا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون}[السجدة]. وقال تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إنَّ الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين}[غافر]. ومعلوم أن الصلاة هي محل الدعاء، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. إذا فهمت ما تقدم علمت العلاقة الطردية بين التواضع والخشوع. فالخشوع نتيجة للتواضع للرسل والإيمان بهم، وكم من قوم جحدوا ما جاءت به الرسل من كبر أنفسهم أن يتبعوا بشراً مثلهم مع أنه يدعوهم لعبادة الله وحده. ثم إنه كلما صلى المرء وحرص على الخشوع ازداد تواضعاً، وكان أقبل للمزيد من الحق ولو خالف الهوى، ولو جاء ممن هو دون منه، ولو خالف المألوف. ولهذا كان من عميق فقه أم المؤمنين عائشة أنها قالت: «تغفلون أفضل العبادة التواضع». وليس مرادها -والله أعلم- تفضيل التواضع على الصلاة، ولكن لما كان الخشوع للصلاة بمنزلة القلب من الجسد، وكان يزيد بزيادة التواضع، والتواضع يزيد بزيادته، قالت هذا.