تفكر في ختم آية القبلة باسم الله الواسع العليم.
تفكر في ختم آية القبلة باسم الله الواسع العليم.
قال تعالى: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم} البقرة.
كم مرة قرأت هذه الآية ولأول مرة أقف عند آخرها {واسع عليم}.
آية تتكلم عن القبلة، وقد اختلف المفسرون فيها، غير أن من الأوجه المذكورة أن الآية نزلت في نفي الحرج عمن تحرى القبلة ثم لم يصبها.
وهذا الوجه بالذات له عندي علاقة باسم الله الواسع العليم.
وذلك أنك إن نظرت في كتب الفقهاء رأيت عجباً في موضوع الاجتهاد في تحديد القبلة، فتراهم درسوا كل شيء حولهم ليحددوا القبلة.
فدرسوا مشارق الشمس والقمر والنجوم، فتجد على سبيل المثال في المغني: " (617) فصل: والشمس تطلع من المشرق، وتغرب في المغرب، وتختلف مطالعها ومغاربها، على حسب اختلاف منازلها، وتكون في الشتاء في حال توسطها في قبلة المصلي، وفي الصيف محاذية لقبلته.
(618) فصل: والقمر يبدو أول ليلة من الشهر هلالا في المغرب، عن يمين المصلي، ثم يتأخر كل ليلة نحو المشرق منزلا، حتى يكون ليلة السابع وقت المغرب في قبلة المصلي، أو مائلا عنها قليلا، ثم يطلع ليلة الرابع عشر من المشرق قبل غروب الشمس، بدرا تاما، وليلة إحدى وعشرين يكون في قبلة المصلي، أو قريبا منها، وقت الفجر، وليلة ثمان وعشرين يبدو عند الفجر كالهلال من المشرق، وتختلف مطالعه باختلاف منازله.
(619) فصل: والرياح كثيرة يستدل منها بأربع، تهب من زوايا السماء؛ الجنوب تهب من الزاوية التي بين القبلة والمشرق، مستقبلة بطن كتف المصلي الأيسر، مما يلي وجهه إلى يمينه، والشمال مقابلتها، تهب من الزاوية التي بين المغرب والشمال؛ مارة إلى مهب الجنوب".
هذه الفروع كلها ذكرها ليعلمك كيف تحدد القبلة، وفي ثنايا كلامه تكلم حتى عن الجبال والأنهار، فالفقهاء درسوا كل ما حولهم من جبال وأنهار ونجوم ورياح وشمس وقمر ليحددوا القبلة في حال الاشتباه، فاتسعت علومهم لذلك غاية، وفتحت عليهم أبواب في العلم الدنيوي النافع.
وهذا كله من بركة تحري أمر وفضل (الواسع العليم) فنالهم من سعة العلوم ما نالهم.
والأمر نفسه في معرفة مواقيت الصلاة، بل عامة أبواب الفقه يوجد فيها ما يتداخل مع علوم بقية البشر من صناعة واقتصاد وطب بل وحتى العلوم الإنسانية وغيرها، وكم فقيه تعلم في هذه العلوم لأنه أراد دراسة باب فقهي ثم فتح عليه فيها.
واحتج ابن القيم على النصارى باتساع علوم أهل الإسلام لتصحيح النبوة، فقال في هداية الحيارى: "كما أخبر به المسيح عنه من قوله في الإنجيل وقد بشرهم به فقال: وكل شيء أعده الله لكم يخبركم به، وفي موضع آخر منه: ويخبركم بالحوادث والغيوب، وفي موضع آخر ويعلمكم كل شيء، وفي موضع آخر: يحيي لكم الأسرار ويفسر لكم كل شيء وأجيئكم بالأمثال وهو يجيئكم بالتأويل، وفي موضع آخر: إن لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله لكم، ولكنكم لا تستطيعون حمله، لكن إذا جاء روح الحق ذاك يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع، ويخبركم بكل ما يأتي، ويعرفكم جميع ما للأب. فمن هذا علمه بشهادة المسيح، وأصحابه يتلقون ذلك جميعه عنه، وهم أذكى الخلق وأحفظهم وأحرصهم، كيف تدانيهم أمة من الأمم في هذه العلوم والمعارف؟".
وكلامه واسع وفيه تفصيل من أراده فليراجعه.