فقه أبي داود عن عثمان رضي الله عنه
فقه أبي داود عن عثمان رضي الله عنه
قال أبو داود في سننه ٤٥٠٢- حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى ابن سعيد، عن أبي أمامة بن سهل، قال: كنا مع عثمان وهو محصور في الدار، وكان في الدار مدخل، من دخله سمع كلام من على البلاط، فدخله عثمان، فخرج إلينا وهو متغير لونه، فقال: إنهم ليتواعدونني بالقتل آنفا، قال: قلنا: يكفيكهم الله يا أمير المؤمنين، قال: "ولم يقتلونني؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إسلام، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس»، فوالله ما زنيت في جاهلية، ولا في إسلام قط، ولا أحببت أن لي بديني بدلا منذ هداني الله، ولا قتلت نفسا، فبم يقتلونني؟". قال أبو داود: "عثمان وأبو بكر رضي الله عنهما تركا الخمر في الجاهلية".
أقول: قد يتعجب القارئ من ذكر أبي داود لامتناع عثمان عن شرب الخمر مع أن عثمان في الحديث إنما ذكر الزنا.
غير أن هذا من فقه أبي داود، فإن الرجل إذا شرب الخمر كان ذلك أقرب لوقوعه في الزنا، فالخمر أم الخبائث. واللطيف أن عثمان نفسه نبَّه على هذا المعنى، وقد كان أبو داود -والله أعلم- مستحضرًا لتنبيه عثمان هذا.
قال عبد الرزاق في المصنف [١٧٠٦٠]:
عن معمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه قال:
سمعت عثمان بن عفان يخطب الناسَ، فقال:
"اجتنبوا الخمرَ فإنها أمُّ الخبائث، إنَّ رجلًا ممن كان قبلكم كان يتعبد، ويعتزل النساءَ، فعَلِقَتْهُ امرأةٌ غاوية، فأرسلت إليه أَني أريد أن أُشهِدك بشهادة، فانطلق مع جاريتها فجعل كلما دخل بابًا أغلقَته دونه حتى أفضى إلى امرأة وضيئة، وعندها باطِيَة فيها خمر.
فقالت: إنِّي والله ما دَعَوْتُكَ لشهادة ولكن دَعَوْتُك لتقعَ عليَّ أو لتشربَ من هذا الخمر كأسًا أو لتقتلَ هذا الغلام، وإلا صِحْتُ بك، وفضحتك، فلمَّا أنْ رأى أن ليس بدٌّ من بعض ما قالت قال:
اسقيني مِن هذا الخمر كأسًا. فَسَقَتْه.
فقال: زيديني كأسًا. فشَرِب فسَكِر، فقَتَلَ الغلامَ ووقع على المرأة.
فاجتنبوا الخمرَ فوالله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر في قلب رجل إلا أوشك أحدهما أن يخرج صاحبه".
فكأنَّ أبا داود أراد أن يقول إن من قرائن صدق عثمان على ما قال (أنه ما زنا في الجاهلية والإسلام) ما اشتُهر عنه من البعد عن الذرائع التي تؤدي إلى الزنا مثل شرب الخمر.
وهذا كله متناسب مع شدة حيائه رضي الله عنه.
واليوم يبيحون هذا البلاء ثم يشتكون من آثاره، مِن أمراض وعنف أسري وحوادث واغتصاب، بل ووقوع بعض شاربيها على محارمهم.